الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٣٥ - المسألة الحادية عشرة اختلفوا في اشتراط العكس في العلل الشرعية
فإنه لا مانع من ورود الشارع بوجوب القصاص بكل جارح ، وإن تخصص وجوبه في المثقل بالكبير منه .
وأما الثاني : فهو انتفاء الحكم عند انتفاء العلة ( ١ ) والعكس بهذا الاعتبار هو المقصود بالخلاف ها هنا .
والمختار فيه إنما هو التفصيل وهو أن جنس الحكم المعلل ، إما أن لا يكون له سوى علة واحدة ، أو أنه معلل بعلل ، في كل صورة بعلة .
فإن كان الأول ، وذلك كتعليل جنس وجوب القصاص في النفس بالقتل العمد العدوان ، فإنه لا علة له سواه ، فلا شك في لزوم انتفائه عند انتفاء علته ، لا لأنه يلزم من نفي العلة الواحدة نفي الحكم ، بل لان الحكم لا بد له من دليل ، ولا دليل .
وإن كان الثاني : كما في تعليل إباحة الدم بالقتل العمد العدوان ، والردة عن الاسلام والزنا في الاحصان ، وقطع الطريق ، وتعليل نقض الوضوء بالمس واللمس والبول والغائط فلا شك أنه لا يلزم من انتفاء بعض هذه العلل نفي جنس الحكم لجواز وجود علة أخرى : وإنما يلزم نفيه بتقدير انتفاء جميع العلل .
هذا في جنس الحكم المعلل وأما آحاد أشخاص الحكم في آحاد الصور ، فإنه يمتنع تعليله بعلتين ، على ما يأتي تقريره . وإنما يكون معللا بعلة واحدة على طريق البدل ، فلا يلزم من نفي العلة المعينة نفيه لجواز وجود بدلها ، لما سبق .
فإن قيل : وإن كان الحكم معللا بعلة واحدة ، ولا علة له سواها ، في دليل عليه ، فكانت مشابهة للدليل العقلي في العقليات ، ولا يلزم من نفي الدليل في العقليات نفي المدلول ، ولهذا فإن الصنعة دليل وجود الرب تعالى . ولو قدر انتفاؤها لم يلزم منه انتفاء وجود الرب تعالى فكذلك العلة الشرعية .
قلنا : العلة ، وإن كانت دليل الحكم ، فلا نعني بانتفاء الحكم عند انتفائها انتفاءه في نفسه بل انتفاء العلم أو الظن به ضرورة توقف ذلك على النظر الصحيح في الدليل ، ولا دليل . وكذلك الحكم في الصنعة مع الصانع .
١ - ويقابل العكس بهذا المعنى الطرد وهو عندهم كلما وجدت العلة وجد الحكم .