الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ٢٢٣ - المسألة الثامنة اختلفوا في جواز تخصيص العلة المستنبطة
عن الوصف ، غايته أنه يوجب الشك في فساد العلة ، وتقاوم احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة ، أو وجود المعارض على السواء ، وإذا كان دليل العلة ظاهرا ودليل الفساد مشكوكا فيه ، فالمشكوك فيه لا يقع في مقابلة الظاهر . ودليل وقوع الشك في فساد العلة في صورة النقض وتقاوم الاحتمال فيها ، أنه يحتمل أن يكون انتفاء الحكم في صورة النقض لمعارض ، من وجود مانع أو فوات شرط ، ويحتمل أنه لفساد العلة ، وهما متقاومان . وبيان التقاوم أن احتمال الانتفاء لانتفاء العلة ، وإن كان على وفق الأصل بالنسبة إلى احتمال انتفائه للمعارض ، دفعا لمحذور المعارضة ، غير أنه على خلاف الأصل بالنظر إلى إبطال العلة مع قيام الدليل الدال على كون الوصف علة ، واحتمال انتفاء الحكم للمعارض وإن كان على خلاف الأصل لما فيه من نفي الحكم مع قيام دليله ، غير أنه على وفق الأصل من جهة موافقة الدليل الدال على كون الوصف علة ، فإذا احتمال انتفاء الحكم لانتفاء العلة موافق للأصل من وجه ، ومخالف له من وجه ، فيتقاوم الاحتمالان على السواء وذلك مما يوجب الشك في فساد العلة . والشك لا يعارض الظاهر بوجه .
قلنا : إذا اعترف بالشك في دليل فساد العلة ، فيلزم منه الشك في فساد العلة ، ويلزم من الشك في فساد العلة انتفاء الظن بكونها علة ، لان الصحة والفساد متقابلان ، فمهما وقع الشك في أحد المتقابلين ، وقع الشك في الآخر ، وإن كان أحدهما ظاهرا ، والآخر بعيدا ، فالقول بوقوع الشك في أحد المتقابلين مع ظهور الآخر ممتنع ، كما يمتنع الشك في الغيم مع ظن الصحو ، والشك في موت زيد مع ظن حياته .
وهذا بخلاف ما إذا شككنا في الطهارة ، وحكمنا بالنجاسة ، نظرا إلى النجاسة السابقة ، فإن الشك في هذه الصور لا يجامع النظر إلى الأصل ، بل عند النظر إلى الأصل يترجح أحد احتمالي الشك على الآخر ، فلا يبقى الشك متحققا ، حتى إنه لو وقع الشك في النجاسة أو الطهارة مع النظر إلى الأصل ، لبقي الشك معمولا به . وهذا ، بخلاف ما نحن فيه ، فإن الشك انما وقع في فساد العلة في صورة النقض مع النظر إلى دليل العلة ، ولولا النظر إلى دليل العلة ، لكان الظاهر انتفاء الحكم لا انتفاء العلة .
ومهما كان كذلك ، فلا يمكن القضاء بظهور العلة ، مع أن تقاوم الاحتمال إنما كان بالنظر إلى دليل العلة .