الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٨٠ - المسألة العشرون الاتفاق على نسخ جميع التكاليف بانعدام العقل
المسألة العشرون : اتفق العلماء على جواز نسخ جميع التكاليف بإعدام العقل الذي هو شرط في التكليف ، وأنه يستحيل أن يكلف الله أحدا بالنهي عن معرفته إلا على رأي من يجوز التكليف بما لا يطاق . وذلك لان تكليفه بالنهي عن معرفته يستدعي العلم بنهيه ، والعلم بنهيه يستدعي العلم بذاته ، فإن من لا يعرف الباري تعالى يمتنع عليه أن يكون عالما بنهيه . فإذا تحريم معرفته متوقف على معرفته ، وهو دور ممتنع . وإنما الخلاف في أمرين :
الأول : أنه هل يتصور نسخ وجوب معرفة الله تعالى وشكر المنعم ونسخ تحريم الكفر والظلم والكذب ، وكذلك كل ما قيل بوجوبه لحسنه وتحريمه لقبحه في ذاته :
فذهبت المعتزلة بناء على فاسد أصولهم في اعتقاد الحسن والقبح الذاتي ورعاية الحكمة في أفعال الله تعالى ، إلى امتناع نسخ هذه الأحكام لاعتقادهم أن المقتضى لوجوبها وتحريمها إنما هو صفات ذاتية لا يجوز تبديلها ولا تغييرها ، ونحن قد أبطلنا هذه الأصول ، ونبهنا على فسادها فيما تقدم .
الثاني : أنه وإن جاز نسخ هذه الأحكام ، فبعد أن كلف الله العبد هل يجوز أن ينسخ عنه جميع التكاليف أو لا ؟
اختلفوا فيه نفيا وإثباتا واختار الغزالي المنع من ذلك مصيرا منه إلى أن المنسوخ عنه يجب عليه معرفة النسخ والناسخ والدليل المنصوب عليه . فهذا النوع من التكليف لا يمكن نسخه ، بل هو باق بالضرورة ، وليس بحق ، فإنا وإن قلنا بأن النسخ لا يحصل في حق المكلف دون علمه بنزول النسخ ، فلا يمتنع تحقق النسخ لجميع التكاليف في حقه عند علمه بالنسخ ، وإن لم يكن مكلفا بمعرفة النسخ .