الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٦٥ - المسألة الخامسة عشرة جواز النسخ بفحوى الخطاب
خاصا ، لكون النص الخاص والاجماع مقدما على القياس الظني بالاتفاق ، وإن كان عاما ، فلا نسخ ، لان القياس ليس بخطاب على ما سبق . وإن كان قياسا ، فلا بد وأن يكون القياس الثاني راجحا على الأول .
وعند ذلك ، فتارة نقول إن القياس الأول لا يكون قياسا لعدم ترجحه ، وإن الترجح شرط في الاقتضاء ، وتارة نقول إنه وإن لزم منه رفع حكمه ، فهو في معنى النسخ ، ولكنه ليس بنسخ ، لما بيناه من أن النسخ هو الخطاب الدال على ارتفاع حكم خطاب . وهو غير متحقق فيما نحن فيه . وللمخالف شبهتان :
الأولى قوله تعالى * ( الآن خفف الله عنكم ، وعلم أن فيكم ضعفا ، فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين ، وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله ) * ( ٨ ) الأنفال : ٦٦ ) أوجب نسخ ثبات الواحد للعشرة ، وليس مصرحا به ، وإنما هو منبه عليه ، وذلك هو نفس نسخ حكم النص بالقياس .
الثاني أنهم قالوا : النسخ أحد البيانين ، فجاز بالقياس كالتخصيص .
والجواب عن الأولى أنها إنما تصح إن لو كان ثبوت الواحد للاثنين الرافع ثبوت الواحد للعشرة مستفادا من القياس ، وليس كذلك ، بل استفادته إنما هي من نفس مفهوم اللفظ .
وعن الثانية أنها منقوضة بالاجماع وبدليل العقل وبخبر الواحد ، فإنه يخصص به ، ولا ينسخ به .
المسألة الخامسة عشرة اتفق الكل على جواز النسخ بفحوى الخطاب ، كدلالة قوله تعالى : * ( ولا تقل لهما أف ) * ( ١٧ ) الاسراء : ٢٣ ) على تحريم الضرب وغيره من أنواع الأذى ، وعلى جواز نسخ حكمه .
وإنما اختلفوا في جواز نسخ الأصل دون الفحوى ، والفحوى دون الأصل .
غير أن الأكثر على أن نسخ الأصل يفيد نسخ الفحوى ، لان الفحوى تابع للأصل ، ولا يتصور بقاء التابع مع ارتفاع المتبوع .
وأما نسخ الفحوى دون الأصل ، فقد تردد فيه قول القاضي عبد الجبار ، فجوزه تارة نظر إلى أن ذلك جار مجرى التنصيص على تحريم التأفيف وتحريم