الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٤ - المسألة الثانية ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى ( وامسحوا برؤسكم ) مجمل
المسألة الثانية ذهب بعض الحنفية إلى أن قوله تعالى : * ( وامسحوا برؤوسكم ) * ( ٥ ) المائدة : ٦ ) مجمل لأنه يحتمل مسح جميع الرأس ، ويحتمل مسح بعضه ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فكان مجملا قالوا : وما روي عنه ( ص ) ، أنه مسح بناصيته ، فهو بيان لمجمل الآية واتفق النافون على نفي الاجمال ، لكن منهم من قال إنه بحكم وضع اللغة ظاهر في مسح جميع الرأس ، وهو مذهب مالك والقاضي عبد الجبار وابن جني مصيرا منهم إلى أن ( الباء ) في اللغة أصل في الالصاق ، كما سبق تعريفه ، وقد دخلت على المسح وقرنته بالرأس ، واسم الرأس حقيقة في كله لا بعضه ، ولهذا ، لا يقال لبعض الرأس رأس ، فكان ذلك مقتضيا لمسح جميعه لغة ، وهذا ، وإن كان هو الحق بالنظر إلى أصل وضع اللغة ، غير أن عرف استعمال أهل اللغة الطارئ على الوضع الأصلي حاكم عليه ، والعرف من أهل اللغة في اطراد الاعتبار جار باقتضاء إلصاق المسح بالرأس فقط ، مع قطع النظر عن الكل والبعض ، ولهذا ، فإنه إذا قال القائل لغيره امسح يدك بالمنديل لا يفهم منه أحد من أهل اللغة أنه أوجب عليه إلصاق يده بجميع المنديل ، بل إن شاء بكله ، وإن شاء ببعضه . ولهذا ، فإنه يخرج عن العهدة بكل واحد منهما .
وكذلك إذا قال : مسحت يدي بالمنديل فالسامعون يجوزون أنه مسح بكله وببعضه ، غير فاهمين لزوم وقوع المسح بالكل أو البعض ، بل بالقدر المشترك بين الكل والبعض ، وهو مطلق مسح ( ١ ) ويجب أن يكون كذلك ، نفيا للتجوز والاشتراك في العرف . وهذا هو مذهب الشافعي ، رضي الله عنه ، واختيار القاضي عبد الجبار وأبي الحسين البصري .
وعلى كل تقدير ، فلا وجه للقول بالاجمال ، لا بالنظر إلى الوضع اللغوي الأصلي ، ولا بالنظر إلى عرف الاستعمال .
١ - يظهر لي فرق بين قوله تعالى ( وامسحوا برؤسكم ) وقول القائل : امسح يدك بالمنديل ، ومسحت يدي بالمنديل ، فان عرف الاستعمال يدل على أن القصد بالخطاب في الآية إلى مسح الرأس ، والعضو الماسح وسيلة وان القصد في طلب مسح اليد بالمنديل والاخبار بذلك إلى مسح اليد ، والمنديل وسيلة فالمنديل نظير العضو الماسح ، كلاهما آلة للمسح لم تقصد به لنفسها واليد في المثالين نظير الرأس في الآية وكلاهما مقصود بالمسح ، وكل من وضع اللغة وعرف الاستعمال يدل ظاهرا على تعميمهما به .