الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٣١ - المسألة الثانية اتفق القائلون بجواز النسخ على جواز نسخ حكم الفعل الخ
فإن قيل أما قصة الاسراء فهي خبر واحد ، فلا يمكن إثبات مثل هذه المسألة به .
وإن كان حجة ، إلا أنه يقتضي نسخ حكم الفعل قبل التمكن ، وقبل تمكن المكلف من العلم به لنسخه قبل الانزال ، وذلك مما لا يحصل معه الثواب بالعزم على الادواء والاعتقاد لوجوبه ، ولم يقولوا به .
وأما الحجة الثانية فلا نسلم أنه يجوز أن يأمر زيدا في الغد ويمنعه منه قبل الغد لأنه لا يخلو إما أن يأمره مطلقا ويريد منه الفعل ، أو بشرط زوال المانع .
فإن كان الأول ، فمنعه منه بعد ذلك يكون تكليفا بما لا يطاق ، وهو محال .
وإن كان الثاني ، فالامر بالشرط مما لا يجوز وقوعه من العالم بعواقب الأمور على ما سبق تقريره في الأوامر ، وهذا بخلاف ما إذا أمر جماعة بفعل في الغد فإنه يجوز أن يمنع بعضهم من الفعل ، لان ذلك يدل على أنه لم يرد بخطابه من علم منعه ، وإذا لم يجز في المنع ، فكذلك في النسخ .
ثم ما ذكرتموه معارض بما يدل على نقيضه ، وبيانه من وجوه :
الأول أنه إذا نهى المكلف عن الفعل الذي أمر به قبل دخول وقته ، فالامر والنهي قد تواردا على شئ واحد من جهة واحدة في وقت واحد ، وهو محال وذلك لان الفعل في نفسه في ذلك الوقت إما أن يكون حسنا أو قبيحا . وعند ذلك ، فلا يخلو الباري تعالى عند الامر بالفعل إما أن يكون عالما بما هو عليه الفعل من الحسن والقبح ، وكذلك في حالة النهي ، أو لا يكون عالما به أصلا ، أو هو عالم به في حالة النهي ، دون حالة الامر ، أو في حالة الامر ، دون حالة النهي :
فإن كان الأول ، فإن كان الفعل حسنا ، فقد نهى عن الحسن مع علمه به ، وإن كان قبيحا ، فقد أمر بالقبيح مع علمه به ، وهو قبيح ، وإن كان الثاني فهو محال .
لما يلزمه من الجهل في حق الله تعالى ، وكذلك إن كان الثالث أو الرابع .
كيف وإنه إذا ظهر له في حالة النهي ما لم يكن قد ظهر له في حالة الامر فهو عين البداء ، والبداء على الله محال .