الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١٨ - المسألة الأولى في اثبات النسخ على منكريه
وقد احتج عليهم بإلزامات أخر .
منها أن العمل كان مباحا في يوم السبت ، ثم حرم على موسى وقومه .
ومنها أن الختان كان في شرع إبراهيم جائزا بعد الكبر ، وقد أوجبه موسى يوم ولادة الطفل ومنها أن الجمع بين الأختين كان مباحا في شريعة يعقوب ، وقد حرم ذلك في شريعة من بعده .
ولقائل أن يقول : العمل في يوم السبت ، وكذلك الختان في حالة الكبر ، وكذلك الجمع بين الأختين كان مباحا بحكم الأصل ، ورفع ما كان ثابتا بحكم الأصل العقلي لا يكون نسخا كما علم فيما تقدم .
فإن قيل : لو كان النسخ جائزا عقلا ، لم يخل نسخ ما أمر به إما أن يكون لحكمة ظهرت لم تكن ظاهرة حالة الامر ، أو لا يكون كذلك :
فإن لم يكن لحكمة ظهرت له ، كان عابثا ، والعبث على الحكيم محال .
وإن كان الأول : فقد بدا له ما لم يكن ، والبداء على الله تعالى محال .
وأيضا فإنه لو جاز نسخ الأحكام الشرعية لكون التكليف بها مصلحة في وقت ، ومفسدة في وقت ، لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات في التوحيد وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز ، وهو محال .
وأيضا فإن الخطاب المنسوخ حكمه .
إما أن يكون موقتا بوقت ، أو هو دال على التأبيد .
فإن كان الأول ، فهو غير قابل للنسخ لانتهائه بانتهاء ذلك الوقت .
وإن كان الثاني ، فهو محال من أربعة أوجه :
الأول : إنه من ذلك اعتقاد المكلف دوام الحكم وتأييده ، وهو جهل قبيح ، وما لزم منه القبيح فهو قبيح .
الثاني : أنه يلزم منه أن لا يبقى لنا طريق إلى معرفة التأبيد بتقدير إرادة التأبيد وذلك مما يوجب إعجاز الرب تعالى عن إعلامنا بالتأبيد ، وهو محال .