الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١١٦ - المسألة الأولى في اثبات النسخ على منكريه
النهي عنه للمصلحة في وقت آخر ، فإن المصالح مما يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال حتى إن مصلحة بعض الأشخاص في الغنى أو الصحة أو التكليف ، ومصلحة الآخر في نقيضه ، فكذلك جاز أن تختلف المصلحة باختلاف الأزمان حتى أن مصلحة بعض أهل الأزمان في المداراة والمساهلة ، ومصلحة أهل زمان آخر في الشدة والغلظة عليهم ، إلى غير ذلك من الأحوال .
وإذا عرف جواز اختلاف المصلحة باختلاف الأزمان ، فلا يمتنع أن يأمر الله تعالى المكلف بالفعل في زمان لعلمه بمصلحته فيه ، وينهاه عنه في زمن آخر لعلمه بمصلحته فيه ، كما يفعل الطبيب بالمريض ، حيث يأمره باستعمال دواء خاص في بعض الأزمنة وينهاه عنه في زمن آخر بسبب اختلاف مصلحته عند اختلاف مزاجه ، وكما يفعل الوالد بولده من التأديب له وضربه في زمان ، واللين له والرفق به في زمان آخر على حسب ما يتراءى له من المصلحة . ولهذا خص الشارع كل زمان بعبادة غير عبادة الزمن الآخر ، كأوقات الصلوات والحج والصيام ، ولولا اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لما كان كذلك .
ومع جواز اختلاف المصالح باختلاف الأزمنة لا يكون النسخ ممتنعا .
هذا ما يدل على الجواز العقلي من جهة العقل .
وأما من جهة السمع : فقوله تعالى * ( ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها ، ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير ) * ( ٢ ) البقرة : ١٠٦ ) فهذه الآية تدل على جواز النسخ على الله تعالى شرعا .
أما بالنسبة إلى من خالف في ذلك من المسلمين فظاهر لموافقته على أن الآية من كلام الله تعالى ، وأن كلامه صدق .
وأما بالنسبة إلى اليهود ، فلانه إذا ثبت أن محمدا رسول الله بما أثبتناه من الأدلة القاطعة في علم الكلام ، وأنه صادق فيما يدعيه من الوحي إليه من الله تعالى ، فقد ادعى كون هذه الآية من كلام الله ، فكان صادقا في ذلك ، وكانت الآية حجة على جواز النسخ .