الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٦ - الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ
الثالث : هو أن تحديد النسخ بارتفاع الحكم الثاني تحديد له ، بما ليس بمتصور ، لوجوه يأتي ذكرها في مسألة إثبات النسخ .
الرابع : أن فيه زيادة لا حاجة إليها ، وهي قوله ( متراخ عنه ) وقوله ( على وجه لولاه لكان مستمرا ثابتا ) فإن ذكر التراخي إنما وقع احترازا عن الخطاب المتصل كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية ، وفي الحد ما يدرأ النقض بذلك ، وهو ارتفاع الحكم ، والخطاب المتصل بالخطاب الأول في هذه الصور ، ليس رافعا لحكم الخطاب المتقدم في الذكر ، بل هو مبين أن الخطاب المتقدم لم يرد الحكم فيما استثنى ، وفيما خرج عن الشرط والغاية ، وبالتقييد بالرفع يدرأ النقض بالخطاب الوارد بما يخالف حكم الخطاب المتقدم إذا كان حكمه ، موقتا من حيث إن الخطاب الثاني لا يدل على ارتفاع حكم الخطاب الأول لانتهائه بانتهاء وقته .
والجواب عن الاشكال الأول : لا نسلم أن النسخ هو ارتفاع الحكم ، بل النسخ نفس الرفع المستلزم للارتفاع ، والرفع هو الخطاب الدال على الارتفاع ، وذلك لان النسخ يستدعى ناسخا ومنسوخا ، والناسخ هو الرافع أي الفاعل ، والمنسوخ هو المرفوع أي المفعول ، والرافع والمرفوع ، أي الفاعل والمفعول ، يستدعي رفعا وارتفاعا ، أي فعلا وانفعالا ، والرافع هو الله تعالى على الحقيقة ، وإن سمي الخطاب ناسخا ، فإنما هو بطريق التجوز ، كما يأتي تحقيقه ، والمرفوع هو الحكم ، والرفع الذي هو الفعل صفة الرافع ، وذلك هو الخطاب ، والارتفاع الذي هو نفس الانفعال صفة المرفوع المفعول . وذلك على نحو فسخ العقد ، فإن الفاسخ هو العاقد ، والمفسوخ هو العقد ، والفسخ صفة العاقد ، وهو قوله فسخت والانفساخ صفة العقد ، وهو انحلاله بعد انبرامه .
وأما النسخ بفعل الرسول ، فلا نسلم أن فعل الرسول ناسخ حقيقة ، إذ ليس للرسول ولاية إثبات الأحكام الشرعية ، ورفعها من تلقاء نفسه ، وإنما هو رسول ومبلغ عن الله تعالى ما يشرعه من الاحكام ، ويرفعه ، ففعله ، إن كان ولا بد ، فإنما هو