الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٥ - الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ
وقال القاضي أبو بكر : إنه الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا ، مع تراخيه عنه ، وهو اختيار الغزالي أيضا ، وقصد بالقيد الأول تعميم كل خطاب كان من باب المنظوم أو غيره ، والاحتراز عن الموت والمرض والجنون وجميع الاعذار الدالة على ارتفاع الاحكام الزائلة بها مع تراخيها ، ولولاها لكانت الاحكام الزائلة بها مستمرة ، وبالقيد الثاني ، وهو الخطاب المتقدم ، الاحتراز عن الخطاب الدال على ارتفاع الاحكام العقلية قبل ورود الشرع ، وبالقيد الثالث ، وهو على وجه لولاه لكان مستمرا ، الاحتراز عما إذا ورد الخطاب بحكم موقت ، ثم ورد الخطاب عند تصرم ذلك الوقت بحكم مناقض للأول ، كما لو ورد قوله عند غروب الشمس كلوا بعد قوله : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( ٢ ) البقرة : ١٨٧ ) فإنه لا يكون نسخا لحكم الخطاب الأول ، حيث إنه لو قدرنا عدم الخطاب الثاني ، لم يكن حكم الخطاب الأول مستمرا ، بل منتهيا بالغروب ، وبالقيد الرابع الاحتراز عن الخطاب المتصل ، كالاستثناء والتقييد بالشرط والغاية ، فإنه يكون بيانا لا نسخا ويرد عليه إشكالات :
الاشكال الأول : أن الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت هو الناسخ والنسخ هو نفس الارتفاع ، فلا يكون الناسخ هو النسخ .
الثاني : وهو ما أورده أبو الحسين البصري أنه قال إنه ليس بجامع ولا مانع :
أما أنه ليس بجامع ، فلانه يخرج منه النسخ بفعل الرسول ، مع أنه ليس بخطاب ، ويخرج منه نسخ ما ثبت بفعل الرسول وليس فيه ارتفاع حكم ثبت بالخطاب .
وأما أنه ليس بمانع ، فلانه لو اختلفت الأمة في الواقعة على قولين ، وأجمعوا بخطابهم على تسويغ الاخذ بكل واحد من القولين للمقلد ، ثم أجمعوا بأقوالهم على أحد القولين ، فإن حكم خطاب الاجماع الثاني دل على ارتفاع حكم خطاب الاجماع الأول ، وليس بنسخ إذ الاجماع لا ينسخ به