الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٤ - الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ
فليس جعل اسم النسخ حقيقة في أحدهما أولى من الآخر .
وإذا تعذر ترجيح أحد الامرين مع صحة الاطلاق فيهما ، كان القول بالاشتراك أشبه ، اللهم إلا أن يوجد في حقيقة النقل خصوص تبدل الصفة الوجودية بصفة وجودية ، فيكون النقل أخص .
ومع هذا كله ، فالنزاع في هذا لفظي لا معنوي .
وأما معناه في اصطلاح الأصوليين ، فقد اختلف فيه فقال أبو الحسين البصري : هو إزالة مثل الحكم الثابت بقول منقول عن الله تعالى أو عن رسوله ، مع تراخيه عنه على وجه لولاه لكان ثابتا وهو فاسد من وجهين :
الأول : هو أن إزالة المثل إما أن تكون قبل وجود ذلك المثل أو بعد عدمه ، أو في حالة وجوده :
الأول محال ، فإن ما لم يوجد ، لا يقال إنه أزيل والثاني أيضا محال ، فإن إزالة ما عدم بعد وجوده ممتنع .
والثالث أيضا محال ، لان الإزالة هي الاعدام ، وإعدام الشئ حال وجوده محال ( ١ ) الوجه الثاني : أنه غير مانع إذ يدخل فيه إزالة مثل ما كان ثابتا من الاحكام العقلية قبل ورود الشرع بخطاب الشارع المتراخي على وجه لولا خطاب الشارع المغير لكان ذلك الحكم مستمرا ، وليس بنسخ في مصطلح المتشرعين إجماعا .
ومنهم من قال : هو إزالة الحكم بعد استقراره ، ويبطل بالوجهين السابقين ، وبما لو زال الحكم بعد استقراره بمرض أو جنون أو موت ، فإنه داخل فيما قيل ، وليس بنسخ إجماعا .
ومنهم من قال : هو نقل الحكم إلى خلافه ، ويبطل بما بطل به الحد الذي قبله وبما لو نقل الحكم إلى خلافه بالغاية ، كما في قوله تعالى : * ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) * ( ٢ ) البقرة : ١٨٧ ) فإن الحكم فيما قبل الغاية قد قلب إلى خلافه فيما بعد الغاية ، وليس بنسخ ، وبه يبطل قول من قال في حده إنه بيان مدة الحكم .
١ - سيأتي مثل هذا الترديد في أدلة المانعين للنسخ عقلا وجواب الآمدي عنه . وبذلك تعرف لونا من جدل الآمدي في نقاشه ودفاعه .