الإحكام في أصول الأحكام - الآمدي، أبو الحسن - الصفحة ١٠٣ - الفصل الأول في تعريف النسخ والناسخ والمنسوخ
ولقائل أن يقول على الوجه الأول إن إطلاق اسم النسخ على الكتاب إما أن يكون حقيقة ، أو تجوزا : فإن كان حقيقة فهو المطلوب ، وبطل ما ذكروه ، وإن كان مجازا ، ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة ، فيمتنع أن يكون التجوز به مستعارا من الإزالة ، فإنه غير مزال ، ولا يشبه الإزالة ، فلا بد من استعارته من معنى آخر ، والاجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في الإزالة والنقل ، فإذا تعذرت استعارته من الإزالة ، تعين أن يكون مستعارا من النقل .
ووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر ، تجري مجرى نقله وتحويله إليه ، فكان ، منه بسبب من أسباب التجوز . وإذا كان مستعارا من النقل وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل إذ المجاز لا يتجوز به في غيره بإجماع أهل اللغة .
ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب ، فما الاعتذار عن اطلاق اسم التناسخ في المواريث ، مع كونها منتقلة حقيقة ، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل والعسل من خلية إلى أخرى . فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير متصور ها هنا .
وأما الوجه الثاني فمقابل بمثله ، وهو أن يقال : اسم النسخ قد أطلق بمعنى النقل على ما سبق . والأصل في الاطلاق الحقيقة ، ويلزم من كونه حقيقة فيه أن لا يكون حقيقة في الإزالة ، دفعا للاشتراك عن اللفظ ، وليس أحد الامرين أولى من الآخر ، فإن قبل الترجيح لكونه حقيقة في الإزالة ، وذلك لان الإزالة مطلق إعدام ، والنقل أخص من الإزالة ، لأنه يستلزم إعدام الصفة وحدوث أخرى ، والاعدام المستلزم حدوث شئ آخر ، أخص من الاعدام الذي لا يستلزم ذلك ، وإذا كانت الإزالة أعم ، فجعل النسخ حقيقة فيها أولى ، نفيا للتجوز والاشتراك عن اللفظ .
قلنا : لا نسلم أن الإزالة أعم من النقل والتحويل وإن كان يستلزم إعدام صفة وتجدد أخرى ، فكل إزالة هكذا ، لان الإزالة على ما قيل هي الاعدام ، والاعدام يستلزم زوال الصفة ، وهي الوجود وتجدد أخرى ، وهي صفة العدم ، وهما صفتان متقابلتان ، مهما انتفت إحداهما تحققت الأخرى ، وإذا تساويا عموما وخصوصا