الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - ٦ - الإيمان بالله
هكذا تُقارن كل شهوة في الدنيا بلذة في الآخرة فتضعف الشهوات.
والواقع أن النفس تستبدل بها شهوات أسمى منها. وإنما هو اختيار بين شهوتين عاجلة وآجلة تمامًا، كمن يُغري نفسه بالصحة واللذة الدائمة حينما يُريد أن يتجنب ما يضر بنفسه، ويقول: لو أكلت هذه اللقمة فصحيح أني سأحصل منها على لذة ولكنها ستمنع عني ألف لقمة هي ألذ وأطيب من هذه. وهكذا يُفضِّل الآخرة على الأولى.
ولو تدبرنا قليلًا في النصوص الشرعية إذًا لعرفنا أن الدين قد استخدم الطرق الثلاثة في بعث النفوس إلى الإيمان. فقد وجَّه الإنسان إلى نفسه وعرَّفه بكرامته عسى أن يُقوِّي ذلك إرادته، ومن ناحية أخرى ذكَّره بآيات الله في الكون لكي يزيد عقله، ومن ناحية ثالثة وجَّه أنظاره إلى جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، وأنهار من عسل لذة للشاربين، وحور عين كأنهن اللؤلؤ والمرجان، لذة للناظرين.
وكل هذه الأمور تُشكِّل حقيقة الإيمان. وفيما يلي نص بشأنها:
جاء في السنة المروية عن الإمام أمير المؤمنين (ع):
«الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ.
وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبِ. فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ، وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ المُحَرَّمَاتِ، وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالمُصِيبَاتِ، وَمَنِ ارْتَقَبَ المَوْتَ سَارَعَ إِلَى الخَيْرَاتِ [١].
وَالْيَقِينُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ، وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ، وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ. فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ، وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ، وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ.
وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ، وَزُهْرَةِ الحُكْمِ وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ. فَمَنْ فَهِمَ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الحُكْمِ،
[١] إن معطيات هذه المقطوعة تنسجم مع السبب الثالث للإيمان وهو ضعف الشهوات بأن يستبدل بها رغبات الآخرة، وكشف نعيمها والحذر من جحيمها والزهد عن الدنيا ترقُّبًا للآخرة. والمقطوعة هذه آية في الروعة والعمق، حيث لم تغادر واحدة من لفتات النفس الشاردة إلَّا أحصتها وجعلت أمامها ما يُناسبها من تطلعات البشر نحو عالم أفضل.