الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٤ - نقد العقل للإحساس
٢- الإحساس والتجارب السابقة:
لدى أبسط التجارب يحتاج الإنسان إلى إدخال مجموعة كبيرة من تجاربه الشخصية الأخرى ومعلوماته الصحيحة عن تجارب الآخرين لكي يوازن بينها ويحصل على فكرة صائبة عن تجربته. فنحن حين نستعمل الترمومتر (مقياس درجة الحرارة)، لا نعلم كم تجربة نستخدم من تجاربنا الماضية أو تجارب الآخرين، ولكننا نستطيع أن نقول بأنها تجارب لا تُحصى عدًّا.
فمثلًا: إننا من دون تجارب المصريين في الهندسة ونظام العد الإسلامي واكتشافات أوروبا الرياضية لم نكن نستطيع أن نعرف أي شيء عن قياس الحرارة. ولهذا فإن أية تجربة جديدة لا تنمو إلَّا في مناخ صالح. ونعني بالمناخ الصالح وجود عدد كبير من التجارب البشرية في سائر الحقول تساندها وتخلق فكرة صائبة عنها.
فمثلًا: جابر بن حيان الأنصاري- تلميذ الإمام الصادق (ع)- قام بصنع طائرة لم يذكر المؤرخون صفاتها بالضبط لأنها دفنت تحت ركام الجهالات التي كانت تسود عصره، ولذلك فإن العصر الذي تلى عصر جابر لم ينتج تجارب جديدة لأنها كانت تفقد مناخها المساعد.
أما حين بدأ (أخوان رايت(Wright brothers) [١]، تجاربهما بالطائرات الشراعية على كثيبات الرمل في (كتي هوك) [٢]، لمجرد التمرن على كيفية التحكم في الأجنحة أثناء
[١] هما الأخوان: أورفيل (١٨٧١- ١٩٤٨ م)، وويلبر (١٨٦٧- ١٩١٢ م). أورفيل وويلبر رايت هما مخترعان أمريكيان، ينسب إليهما معظم المؤرخون، اختراع أول طائرة، والقيام بأول تجربة طيران ناجحة عن طريق آلة أثقل من الهواء في ١٧ ديسمبر ١٩٠٣ م. وبعد عدة سنوات من طيرانهما الناجح تنبهت الحكومة الأمريكية إلى أهمية الطيران وإمكاناته الواسعة. كما استُقبل المخترعان في فرنسا استقبال الأبطال. وكان أطول طيران حققه أورفيل رايت قد استغرق ٧٥ دقيقة على ارتفاع قارب المائة متر. لقد ابتدأ (الأخوان رايت) بصورة فعلية قرن الطيران ومهدا باختراعهم لأول آلة تتحرك بمحرك دافع أثقل من جسم الإنسان، مهّدا لدخول قرن الطيران من باب واسع، وشهد القرن العشرين، ومنذ ذلك اليوم من شتاء عام ١٩٠٣ م، تقدمًا هائلًا في حقل الطيران على مدى ما يقرب من ١٠٠ عام، تطورت فيها الطائرات ودخلت عصر الإنتاج الصناعي بغزارة وتنوعت أحجامها وأشكالها ومهامها والأعباء المكلفة بإنجازها لدرجة أن محاولة جمع الطرازات التي أنتجت في العالم ككل في كتاب أو مؤلف واحد يعد ضرباً من ضروب الخيال. لقد ترك الأخوان رايت بتجربتهم تلك ونجاحهم التي خرجت الصحف الرئيسة في الولايات المتحدة في اليوم التالي تزف الخبر للعالم، تركا إرثاً دافئًا لا يمكن نسيانه من التأريخ للطيران، والروعة في النجاح والتألق، ومتعة الشعور بتحقيق حلم راود الإنسان منذ أن فتح عينيه على الطيور والنسور والكواسر وهي تجوب السماوات دونما تحقيق غايته.
[٢] بلدة في ولاية كارولاينا الشمالية في الولايات المتحدة الأمريكية. اشتهرت البلدة عندما قام الأخوان رايت بأول رحلة بالطائرة في ١٧ ديسمبر ١٩٠٣ م.