الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٥ - نقد العقل للإحساس
الطيران، وطوَّرا تجاربهما- حينذاك- ساعدهما وجود المحرك ثم وجود المواد الخفيفة الصلبة البناء (التي حصلت البشرية منها على قدرة حصان واحد مقابل كل رطل واحد من وزن المحرك)، إن هذه التجارب المتنوعة التي سبقت تجربة أخوان رايت، أعطت الطائرة مناخًا مناسبًا للظهور، فأصبحت ميزة العصر الحديث. وهذا يهدينا إلى أن العقل يعرض نتيجة الحس على التجارب الماضية ليمحصها.
ولولا وجود عقل موازن عند الإنسان لما استطاع أن يستغل تجارب غيره أبدًا. إن العقل الموازن يحكم بأن ما فشل فيه إنسان واحد فإنه يستحيل أن ينجح فيه الآخرون، وبالعكس ما نجح فيه هو فسوف ينجح فيه كل إنسان. ولذلك فإن العالم الخبير يقوم بعد كل ملاحظة بطرد آلاف الاحتمالات التي تتراءى أمامه، لمعرفته المسبقة بأنه قد ثبت بطلانها في تجارب غيره ... ونستطيع تلخيص المهمة الثانية التي يقوم بها العقل عند تمحيصه نتائج الحس بأنها: (موازنة الحس بتراث البشرية العلمي).
إن العقل هو الذي يهدي إلى ضرورة هذه الموازنة وهو الذي يدلنا على نوع التجارب التي ينبغي أن توازن بها التجربة الجديدة. وأخيرًا هو الذي يعطينا حاسة الكشف عن أقرب التجارب إلى الحقيقة لدى اختلاف التجارب. ترى بماذا يفسر كل ذلك الحسيون؟ من هنا جاء في الحديث عن أمير المؤمنين (ع):
«الْعَقْلُ حِفْظُ التَّجَارِبِ»[١].
٣- القفزة العلمية:
أهم ما يحصل بالعقل هي القفزة العلمية، والمثال التالي يوضحها:
يقوم الطفل بطرح فلز في الماء، فيستقر في القاع، ورأسًا يتنبه إلى أن مطلق الفلز لا يستقر فوق الماء- أي ماء كان- هذه هي القفزة العلمية حيث استنبط الطفل من تجربته حكمًا عامًّا.
ونحن لم نجرب طيلة حياتنا إلَّا بعض التجارب البسيطة، بيد أننا نملك عدة قوانين عقلية لأن تلك التجارب قفزت بنا إلى مستوى معرفة قوانين عامة بحيث لا نرتاب في صحتها. وهذه العملية، التي لا تخضع لحساب، هي التي زوَّدت البشرية بالكميات الضخمة التي تملكها من المعلومات عن الكون. ونحن نضحك حتى الأعماق حينما تُروى
[١] بحار الأنوار: ج ٧٤، ص ٢٠٨، في وصية الإمام علي لابنه الإمام الحسن (ع).