الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٣ - نقد العقل للإحساس
ونرى كيف قام العقل بربط نتائج الإحساس بعضها ببعض حتى حصل منها على قانون علمي سُمِّي بقانون التجاذب. إن الإنسان توسل لاستنباط هذا القانون بعدة أحكام عقلية والتي كان أهمها الحكم بضرورة وجود السبب لكل حادث، وضرورة تناسبه مع المسبب، وأن الأحداث المتشابهة ذات سبب واحد وأخيرًا ربط نتائج الأحاسيس المختلفة ببعضها لصياغة قانون عام منها. وهذه الأخيرة كانت السلسلة التي لولاها لما استطاع البشر استنباط قانون موحَّد.
ولنلاحظ تجربة أخرى هي تجربة (ديزل) الذي سميت باسمه محركات ديزل الضخمة. فإن الشاب الألماني (رودولف ديزل) [١]، دأب على كبس الهواء حتى وصل ضغطه في النهاية إلى (٥٠٠) رطل للبوصة المربعة، ورفع هذا الضغط درجة حرارة الهواء إلى (١٠٠٠). وربط هذه العملية بقانون عقلي آخر هو أنه: إذا كان الوقود عادة يبدأ في الاحتراق عند درجة (٤٥٠) فلابد أن يكون كل ما نحتاج إليه لكي نحصل على الاشتعال بدون شرارات الاشتعال، هو حقن الوقود إلى خزانة بها هواء مضغوط ضغطًا مفرطًا لكي يشتعل في الحال كما يشتعل الدهن في المقلاة!.
وهكذا فعل، ولكنه حين اختبر محركه لأول مرة انفجر كله وطرح الشاب أرضًا فاقد الشعور. بيد أنه تصور باستخدامه الحكم العقلي أنه لو استعمل أسطوانات أقوى وصمامات أضبط فإنه لن ينفجر؛ إذ إنه عرف- بحكم عقلي- أن الانفجار كان نتيجة سبب، وأن السبب لابد أن يكون قوة الانفجار ورخاوة الأسطوانات. فلما أتقن أسطواناته لم ينفجر المحرك هذه المرة بل أعطى الصناعة دفعًا جديدًا إلى الأمام بمحركه.
وماذا لو فقد ديزل مساعدة عقله، هل كان بإمكانه متابعة تجاربه؟ ومن هنا نعرف أن العقل ضرورة لتمحيص التجربة بعرض الملاحظة على الأحكام العقلية الثابتة.
وهذا أهم القواعد التي تساعد البشر على استنباط الحقائق من الإحساس.
[١] رودولف كريستيان كارل ديزل (Rudolf Christian Karl Diesel) ، ولد في ١٨ مارس ١٨٥٨ في باريس، كان مهندساً وميكانيكيًّا ألمانيًّا، يعتبر مخترع محرك ديزل الذي سمي باسمه. قام رودولف بتطوير آلة متحركة تستخدم الزيت وقودًا لها. وغالبًا ما يفضّل محرك ديزل على محرك البترول بسبب سهولة التصميم وتوفير الوقود. ولقد زاد كثيرًا من فعالية الصناعة والنقل. أسس عمله على نظرية المحركات الحرارية وتصاميم المهندسين الآخرين. وسجّل براءة اختراعه عام ١٨٩٢ م، أسس مصنعًا لتصنيع محركات الديزل. اختفى بصورة غامضة عام ١٩١٣ م، من سفينة ألمانية كانت متجهة صوب لندن.