الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٢ - نقد العقل للإحساس
إن الإحساس يتأثر بالظروف الفسيولوجية، فلهذا لا تعكس إلَّا ذاتها. ونحن نعترف أنها تتأثر حينًا، ولكن لا يحملنا هذا التأثر إلى التشكيك في نتائجه كل مرة. إذ إن العقل سيحكم بما إذا كان الحس متأثرًا بعوامل خارجية أم بعوامل داخلية فسيولوجية.
تمحيص النتائج:
ثم يقوم العقل بدوره الثاني في توجيه الإحساس وهو تمحيص النتائج. وتختلف النفوس في المواهب العقلية، من هذه الناحية. ولذلك فإن قليلًا من الناس فقط يتمكنون من الاستنتاجات الصائبة من تجارب متشابهة. وهذا الدور معقد، ولذلك فلا يمكننا إلَّا التنبيه بالقواعد العامة، التي تفيدنا في هذا المجال:
١- الإحساس في محك السابقيات العقلية:
حينما ترى العين أجنحة المروحة وهي تدور، تزعم العين بادئ النظر أنها: (صحن مدور) ولكن العقل يقوم بتخطئة هذه النتيجة، ويقول: إن الصحن لا يحرك الهواء. وهذا المثال البسيط يدل على أن الإحساس يقارن بالأحكام العقلية المسبقة. فمثلًا: لدينا حكم عقلي جازم هو: أن الحدث لابد وأن يأتي بعد سبب مناسب، ولذلك فإن الأحداث الواحدة ذات أسباب متشابهة. ومن هنا فنحن لا نرتاب في قانون التجاذب، لأنه حصيلة تجاربنا المحسوسة مضافة إلى أحكامنا العقلية.
إننا نرى أن الطير عندما يموت يقع على الأرض، ونعرف أن رفع الحجر على الظهر أصعب من رفع القطن ويتطلب جهدًا، ونلاحظ أن القمر يدور في الفلك، ونعلم أن الصعود إلى الجبل أشق من النزول منه.
ونلاحظ حقائق كثيرة كل يوم لا علاقة لإحداها بالأخرى ظاهرًا، ثم نتعرف على حقيقة استنباطية هي قانون الجاذبية، وهنا ترتبط جميع هذه الحقائق فنعرف للمرة الأولى أنها كلها مرتبطة إحداها بالأخرى ارتباطًا كاملًا داخل النظام، وكذلك الحال لو طالعنا الحقائق المحسوسة مجردة فلن نجد بينها أي ترتيب فهي متفرقة وغير مرتبطة، ولكن حين نربط الوقائع المحسوسة بالحقائق الاستنباطية، فسنستنتج صورة منظمة للحقائق [١].
[١] الإسلام يتحدى ص ٦٥ عن (Cleaver Thin ding) لمؤلفه ماندير.