الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٦ - جيم الفكرة بين العقل والإحساس
ألف: الامتداد الكاذب:
الامتداد الكاذب، هو أن تقوم النفس بانتزاع صورة جديدة للحقائق التي أحست بها. فمثلًا: يرى الإنسان رجلين (لنفترض محمدًا وعليّا)، ويعرف بالحس أن بينهما أمورًا متشابهة كالجسم الأبيض، والعينين الكبيرتين، والهيكل الضخم، كما يبصر بينهما أمورًا مُميِّزة كاختلاف السن، والطول، ولون الشعر.
هنا تقوم النفس بعملية التجريد وهي حصر نظرها على الجوانب المتشابهة وحذف غيرها. ونتصور مثلًا (كلي الجميل) الذي يشمل محمدًا كما يشمل عليًّا.
ومثل آخر: يبصر الإنسان تفاحة لها ميزاتها وخصائصها الوجودية، فهي تفاحة واحدة صغيرة الحجم على الشجرة الفلانية. ولكن النفس تقوم بعملية التجريد وتنزع عن التفاحة خصائصها وتتصور (كلي التفاح) الذي يشمل كل تفاحة.
إن هذه العملية لا تعتمد على العقل، بل على النفس، وهي- في الأساس- لا تزيدنا إلَّا تصورًا كاذبًا لا وجود له. فالجميل (كفكرة كلية) لا وجود له إلَّا ضمن محمد وعلي، وليس لدينا (كلي الجميل) ليشمل كُلًّا من محمد وعلي في الواقع الخارجي. كما أن التفاح الكلي لا وجود خارجي له.
إن القوة التي تخلق لنا هذا التصور تسمى بقوة التَّخيُّل، وهي لا تعدو أن تُزوِّدنا بالتصور، ولذلك فهي لا تملك خاصية الكشف، ولا تنتقل بنا عن مجال الذات إلى الواقع الخارجي. إذ إن وجود صورة مُتخيَّلة في مداركنا شيء ووجودها في الخارج شيء آخر. ومن هنا فنحن نتصور أمورًا كثيرة ونؤمن أن لا وجود لها في الخارج أبدًا. مثلًا: نتصور جبلًا من عقيق، ونهرًا من فضة، وحديقة من زبرجد، ونعلم أن لا واقع لها أبدًا.
ولقد كانت فلسفة الحسيين- بمختلف مدارسها- تتهجم على صحة التعقل، لظنها أنه لا يعدو أن يكون ركامًا من التصورات الانتزاعية. والسبب أنها- أي مدارس الحسيين- تكونت في جو مشبع بالنظريات الإغريقية وعلى رأسها نظرية (أرسطو) التي تعتمد على القول بأن أساس العلم التصورات الساذجة والمركبة، وأن التعقل إنما هو تركيب التصورات والانتزاع منها. والذي يراجع بدقة نصوص الحسيين، ينتبه إلى أنها تنسف نظرية أرسطو التي سادت أوروبا قبل عهد الثورة.