الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٥ - جيم الفكرة بين العقل والإحساس
دعنا نفترض قانون التجاذب الذي بشَّر به (نيوتن)، هل جرب كل تجاذب في الكون؟. كلَّا هذا مستحيل!. إن ما فعله لم يَعْدُ إجراء التجربة على بضعة حوادث حتى حصلت له قناعة تامة بأن أي حادثة أخرى لا تعدو أن تكون مثل تلك التي جرَّبها. وهذه القناعة من أين حصل عليها؟. من أين استطاع قياس ما يأتي بما مضى؟ أفليس لحكم عقله بالمعادلة التالية:
إن التجربة الماضية دلَّت- بطريق الحس- على وجود تجاذب بين جسم وجسم مخصوصين، وإن هذا التجاذب ليس صدفة وإنما هو بسبب وجود علة في الأجسام. وحسب عدة ملاحظات على أنواع من الأجسام، تبيَّن أنه لا فرق بين نوع الأجسام في وجود هذه العلة فيها، فدلَّ على أن كل الأجسام ذات قوة تتجاذب بها.
ترى، كم حكمًا عقليًّا اشترك في إعطائنا هذا القانون العلمي؟. ومع أننا لا نرتاب في هذه الأحكام، فإن أحدًا منا لا يدَّعي أنه قد جرَّبها هي الأخرى، وأنه لولا التجربة لم يكن يعترف بها.
٣- بل ومن حقنا أن نتساءل عن قيمة التجربة ذاتها: كيف كانت لدينا قيمة للحس، وكيف آمنا بها، وكيف صدَّقنا بأنها لا تخطئ؟ ليس لدينا إلَّا الوجدان والحكم العقلي الذي لا ريب فيه، وإلَّا فهل من المعقول أن نقول: إن التجربة ذاتها دلَّت على قيمة التجربة؟.
٤- بعد كل هذا، ينبغي أن نعود إلى أنفسنا لنتعرف على نوعية الانطلاق من الحس الجزئي إلى أبعاد أخرى. فكلنا يعرف أن الحس لا يعدو عملية انعكاس المؤثرات الخارجية على الأعصاب، ونقل الأعصاب لها إلى المخ. وكلما تصورنا حدوثه في المخ، فإنه لا يعدو أن يكون من نوع الإحساس.
فمثلًا: الإحساس بلون الشجرة عن طريق انعكاس الضوء على شبكية العين، لا يحملنا أبدًا على الإيمان بأن كل شجرة لها اللون ذاته؛ ذلك لأن الإحساس مقدر بقدر الشعاع المنعكس على العين، وليس بقادر على شمول سائر الأشجار في العالم كله حتى يكون الإحساس المباشر هو الوسيلة لمعرفتنا بلونها الواحد في كل مكان. فإذا علمنا ذلك كان علينا أن نتساءل: ما هو السبب لتعميم نتيجة الحس، والحكم بأن أي إحساس آخر سوف تكون له من النتائج والأسباب ما كان لهذا الإحساس، حتى يتم بناء قانون علمي شامل؟.
وقبل أن نقول شيئًا في هذا المجال، لابد أن نُفرِّق بين لونين من الامتداد في الإحساس؛ فقسم نسميه الامتداد الكاذب، والثاني ندعوه الامتداد الصحيح.