الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥١ - باء دور الهوى في تضليل الإنسان
وفي المثال التالي تتضح كيفية توجيه الأسئلة الثلاثة إلى النفس وكيفية استخلاص النتائج الصحيحة منها:
رجل يعتقد بالثالوث المقدس- الأب والابن وروح القدس- آلهة جميعًا، يتنبه في لحظة حاسمة، فيوجِّه السؤال الأول إلى ذاته: إنني الآن أعتقد بتعدد الآلهة. حسنًا. هل أحب الاعتقاد بها؟. لافترض أني كنت في حضن أبوين ملحدين ولم أعتقد منذ الطفولة بالثالوث، فهل كنت فعلًا أعتقد بها؟. ولأقارن: هل أعتقد أنا بجمال باريس إذا توفرت عندي الأدلة ذاتها المتوفرة في الثالوث المقدس ما دمت لم أُلقَّن منذ الصغر بأنها مدينة جميلة؟. كلَّا .. أفلا يكون هذا دليلًا على أن الحب- حب الأفكار السابقة مثلًا- وخدمة المصلحة الذاتية هما السببان الواقعيان للاعتقاد بالثالوث المقدس؟ أفلا أستطيع أن أتصور نفسي مصداقًا لقول نبي الإسلام (ص):
«كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حَتَّى يَكُونَ أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ..»[١].
ثم يسأل نفسه ثانية: بأية حجة نرى عيسى إلهًا؟. أفلا يمكن أن يكون البشر رسولًا من الإله الواحد، فلا يكون إلهًا ولا ابن إله؟.
ولنفترض: أن المصدر لهذا الاعتقاد كان إيمانه بالكتاب المقدس وأنه قد كتب فيه أن عيسى ابن الله .. فيوجه السؤال ويقول: هل إنني أعتقد بكل ما في الكتاب المقدس أم أنني أقوم بتأويل وتفسير طائفة مما فيه، وهو ما يخالف عقلي أو مصلحتي، فلماذا لا أقوم بتأويل هذا النص؟.
وأخيرًا يتساءل ويقول: لأتصور نفسي مكان رجل محايد، هل كنت فعلًا أرى كل أقوال الكنيسة علمًا يقينًا؟.
وباستقامة هذا المنهج، نكتشف انحرافات المناهج البشرية التي أبعدت عن حسابها نور العقل المبين، فمادت من تحت أرجلها كل القواعد الفكرية وتزلزلت صروحها زلزالًا.
إن هذه المناهج لم تشأ أن تعترف بالعقل، زاعمة أن العقل لا يعدو أن يكون- كما سبق القول فيه- مجموعة أحكام سابقية، وليست قبسًا من نور قادر على كشف الحقائق جميعًا. ولم تشأ أن تعترف بهذا النور، فزعمت أن النفس هي التي تفكر وتتصور. وبما أن أنصار هذه المذاهب يعترفون بأن النفس البشرية تتأثر بالشهوات وتتطور حسب الحالات،
[١] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٢٨١.