الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٢ - باء دور الهوى في تضليل الإنسان
فإنهم يقولون: المعرفة أيضًا تتأثر بالشهوات وتتطور حسب الحالات، فكانت النتيجة أن زعموا أن المعارف تتغير وتتطور كما الشهوات بالضبط.
وانقسمت هذه المناهج على نفسها قسمين: فطائفة آمنت بأن المعارف- حينذاك- لا تعكس الحقائق الموضوعية إلَّا بصورة نسبية، وقالت: ما دامت النفس هي التي تعرف، وأن المعرفة بنتها الذاتية؛ وما دامت هي في حالة متغيرة، فإن المعرفة تتغير. وبما أن الواقع الخارجي لا يُماشي هذا التغير، فإن المعرفة لا تعكس سوى بعض الواقع فقط.
وفريق قالوا: ما دام الإنسان لا يدرك كل الواقع، فما الذي يحملنا على الاعتراف بكل الواقع. بل نعكس ونقول: إن ما لا يدرك فهو غير موجود. ولقد انطوت هذه الفلسفات التي سنقوم بشرحها، إن شاء الله، انطوت على ضلالة بعيدة نشأت عن الغفلة عن نور العقل الذي يفضح النفس ويكشف تأثراتها. ولذلك فهي لا تستطيع أن تحجب عن الإنسان، الحقيقة بسبب تأثراتها.
ومن هنا نعرف أن النظريات النسبية الذاتية، والنسبية الفردية، والنسبية التطورية، كلها نشأت من انحرافات كبيرة في المنهج ابتدأت من التركيز على جانب الانفعال في النفس؛ جانب الضعف والسلبية والتأثر، غافلةً عن جانب الفعل فيها؛ جانب القوة والإيجابية والكشف. ولقد استبعد هؤلاء عن حسابهم، منذ البدء، قدرة العقل على كشف التأثرات الداخلية. وهذا هو الضلال البعيد الذي قاد (فرويد) أيضًا إلى صياغة نظريته عن اللاشعور حيث استبعد قدرة الإنسان على كشف ما في (لا شعوره) وجعله دائمًا يخضع لتأثرات ظروفه دون أن يعترف للعقل بقدرة الكشف عن تلك القدرة التي تفضح للإنسان هذه التأثرات.
وهذا الاختلاف في المنهج بين الإسلام والنظريات الحديثة حول العلم، يتبين في المثل التالي (علمًا بأنه مجرد مثل):
لنتصور أن رجلًا ماركسيّا نقابيًّا، اقتضت ظروفه المعاشية المتردية وانتماؤه الطبقي كعامل صغير؛ اقتضت انضمامه في الثورة ضد البرجوازية. هنا- وعلى رأي كل المناهج البشرية- ينظر إلى الحقائق من الزاوية الخاصة به، ويدرك أن البرجوازية بناء استغلالي ماكر. فإذا تطورت ظروفه وأصبح مليونيرًا .. أو كان من قادة الحزب وأصبح بيوقراطيًّا محترفًا، فلابد أنه- حسب هذه المناهج- يتطور تفكيره، ويرى وجوب اتِّباع سياسة البرجوازيين بحق العمال والفلاحين. فماذا حدث بهذا الرجل؟ لا ريب في أنه تغيَّرت نفسيته، ولا