الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨ - العقل وتقييم الأفكار
وليست هذه الأحكام العقلية حسبما تظهر لمن تذكر بها، ليست بمختصة بما يحتاج إليه الإنسان في حياته العملية من نقد الأفكار المتناقضة التي تستقبلها أجهزة الإحساس وتبتدعها تصورات النفس. بل إن العقل يهدي النفس إلى كل حسن وكل قبح وكل محال وكل ممكن ومن كل المستويات، على مستوى الأعمال الشخصية، وعلى مستوى الأعمال الاجتماعية، وعلى مستوى الكون أيضًا حيث يهدي البشر إلى الحقيقة الكبرى في الكون؛ حقيقة الخلق والتقدير، وتتجه به إلى الإيمان بالله الخالق المدبر؛ ذلك لأن هذه الحقائق كلها في صف واحد، والعقل هو العقل.
فمثلًا، حين يُبصر العقل حسن الخير وقبح الشر، فلن يُفرِّق في رؤيته هذه بين الخير الضئيل والخير الجليل، والشر القليل والشر المستطير، لأنه كله ينطوي على طبيعة الخير وطبيعة الشر. وحين يرى الإنسان بعقله أن فاعل الخير يُشكر، فلن يُفرِّق بين أن يكون فاعل الخير العبد أم المعبود.
إن واجب الشكر يشمل كلًّا منهما بذات الرؤية الواحدة والحكم الواحد.
والخلاصة: أن العقل يكشف الحقيقة. وكما أن الكبير حقيقة، فالصغير أيضًا حقيقة، تمامًا كما تبصر العين المرئيات، ولا فرق فيها بين أن تكون صغيرة أو كبيرة.
وبهذا تتبين أن النظرة الإسلامية حول العقل نابعة من إعطائه الثقة الكاملة في كشف الحقائق الغيبية، خلافًا لتلك النظريات التي تُحدِّد العقل بالشؤون المادية وتنتزع منه حق الحكم في الأمور الغيبية، وتجعل الدين هو الحاكم المطلق في تلك الحقائق. ومن هنا جاء في الحديث عن الإمام الصادق (ع):
«مَنْ كَانَ عَاقِلًا كَانَ لَهُ دِينٌ ..»
[١]، وعن الإمام علي (ع):«لَا دِينَ لِمَنْ لَا عَقْلَ لَهُ»
[٢]. وخلافًا أيضًا للحسيين والتجريبيين الذين حدَّدوا العقل بحدود المادة المحسوسة؛ إذ ليست الأحكام العقلية حسب هذه الرؤية نابعة من مقتضيات التجربة الخاصة أو الحس المادي حتى تختص بالعالم المحسوس، بل إنها نابعة من النور الذي يجد الإنسان كل شيء به، حتى أن التجربة ذاتها والحس نفسه لن يُفيدا شيئًا دون وجود ذلك النور حسبما يأتي تفصيل القول فيه بإذن الله.بين العقل والسابقيات العلمية:
وللعلم: إن السابقيات الفكرية التي تملكها النفس البشرية، مثل: العلم باستحالة
[١] الأصول من الكافي: ج ١، ص ١١.
[٢] غرر الحكم، حكمة رقم: ٥١١.