الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٢٦ - ٢ - المجتمع الإسلامي
له ذلك. وبما أنه عبد فهو مُسيَّر بأمر الله وفي صراطه وَ اللّهُ خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ [١].
وكما خلق الله هذا الفرد خلق الآخرين، فهما متساويان أمام الله، متكافئان في الحقوق والواجبات، كل منهما عبد لا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا من دون الله .. فليس لأحد أن يطغى على الآخر، ولا أن يشبع هو بينما يجوع جاره، ولا أن يعتزل عن الناس باتِّباع الرهبانية وباستغلال حق حريته استغلالًا غير صالح بالنسبة إلى الآخرين. وعلى هذا الأساس فلا يصح أن يمحق الفرد حقوق الجماعة، ولا أن تهضم الجماعة حقوق الفرد.
وبما أن الدين يعترف بالفرد وحدةً مستقلةً في المجموع يؤكد على الجماعة ألَّا تغلب على الناس نزعتهم الفردية بحيث تطغى على علاقة بعضهم مع بعض. ولذلك فهو يُقرِّر عدة نظم في سبيل ربط الفرد بالجماعة هي.
١- أن الفرد إنما هو محاط بحلقات متداخلة هي بالترتيب:
عائلته [٢]، أسرته [٣]، عشيرته [٤]، جيرانه [٥]، أساتذته وتلاميذه [٦].
وكل من يمت إليه بصلة كالصاحب في السفر والصديق في الحضر وهكذا ..
٢- ويقرر بعد ذلك ربط الفرد بالجماعة، فيرسم واقع العلاقة بينهما في أصل الخلق
[١] سورة الصافات، آية: ٩٦.
[٢] يقول الإسلام في توثيق علاقة الإنسان بأسرته: «رِضَا الله مَعَ رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُ الله مَعَ سَخَطِ الْوَالِدَيْنِ»، وَقَالَ (ص): «نَظَرُ الْوَلَدِ إِلَى وَالِدَيْهِ حُبًّا لَهُمَا عِبَادَةٌ». بحار الأنوار: ج ٧١، ص ٨٠.
[٣] ويقول في الأسرة: عَنِ الإمام الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ (عليهم السلام) قَالَ: «قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ (ع): صِلَةُ الْأَرْحَامِ وَحُسْنُ الْجِوَارِ زِيَادَةٌ فِي الْأَمْوَالِ»، وَعَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِالله (ع) قَالَ: «سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله: وَ اتَّقُوا اللّهَ الَّذي تَسائَلُونَ بِهِ وَ اْلأَرْحامَ قَالَ (ع): هِيَ أَرْحَامُ النَّاسِ أَمَرَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِصِلَتِهَا وَعَظَّمَهَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ جَعَلَهَا مَعَهُ». بحار الأنوار: ج ٧١، ص ٩٧- ٩٨.
[٤] يقول الإسلام على لسان أمير المؤمنين (ع): «وَصَلَ امْرُؤٌ عَشِيرَتَهُ فَإِنَّهُمْ أَوْلَى بِبِرِّهِ وَذَاتِ يَدِهِ، وَوَصَلَتِ الْعَشِيرَةُ أَخَاهَا إِنْ عَثَرَ بِهِ دَهْرٌ وَأَدْبَرَتْ عَنْهُ دُنْيَا ..» بحار الأنوار: ج ٧١، ص ١٠٥.
[٥] يقول الإسلام على لسان النبي (ص): «مَنْ آذَى جَارَهُ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ رِيحَ الجَنَّةِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ، وَمَنْ ضَيَّعَ حَقَّ جَارِهِ فَلَيْسَ مِنَّا وَمَا زَالَ جَبْرَئِيلُ يُوصِينِي بِالجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ». بحار الأنوار: ج ٧١، ص ١٥٠.
[٦] يقول الإسلام على لسان الإمام علي بن الحسين (ع): «وَأَمَّا حَقُّ سَائِسِكَ بِالْعِلْمِ؛ فَالتَّعْظِيمُ لَهُ وَالتَّوْقِيرُ لِمَجْلِسِهِ وَحُسْنُ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهِ وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ ...» بحار الأنوار: ج ٧١، ص ١٣، وَقَالَ (ع): «وَأَمَّا حَقُّ رَعِيَّتِكَ بِالْعِلْمِ فَأَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا جَعَلَكَ قَيِّمًا لَهُمْ فِيمَا آتَاكَ مِنَ الْعِلْمِ وَفَتَحَ لَكَ مِنْ خَزَائِنِهِ فَإِنْ أَحْسَنْتَ فِي تَعْلِيمِ النَّاسِ وَلَمْ تَخْرَقْ بِهِمْ وَلَمْ تَضْجَرْ عَلَيْهِمْ زَادَكَ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ..»، بحار الأنوار: ج ٢، ص ٦١.