الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٢ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
والإسلام يُقدِّر أن الجسم والروح كلاهما يلتذان أو يتألمان؛ مستدلًا على ذلك بالوجدان. فكل فرد منا يرى أن جسمه هو الذي يتألم ويلتذ بالإضافة إلى روحه الحساسة. وعلى هذا فلابد أن يُجازي الله كِلَا الجزأين: الروح والجسم معًا؛ لأن الاكتفاء بمجازاة أحدهما دون الآخر مخالف لحكمة الله تعالى. ولهذا فقد أوضحت الأديان، إلى جانب، العقول أن المعاد لا يقتصر على الأرواح بل يشمل الأجسام. ولابد أن يكون المُعاد نفس الجسم المتألم والمتنعم.
إذًا ليس من الصحيح أن نقول: إن الله يُعذِّب أو يُنعِّم روح البشر في أجسام جديدة، كما قال به بعض من كتب حول المعاد.
ثم إن الإسلام يُقدِّر حقيقة في أصل الخلق كما يكتشفها العلم الحديث فيقول: إن الله خلق الناس جميعًا أولًا وبدفعة واحدة من دون أن يُخرج بعضهم من أصلاب أو أرحام بعض، خلقهم من الأرض بصورة أجسام صغيرة للغاية، عبَّرت عنها الأحاديث بالذر؛ ولذلك سمي العالم الذي كانت تعيش فيه بعالم الذر، ثم أُدرجت الأبدان الصغار في أصلاب الآباء وحوَّلها الآباء إلى أرحام الأمهات وجعل كل من شاء في صلب كل من اختار.
وإن تلك الأجسام الصغار تنمو في الأرحام بجمع مواد جديدة إلى نفسها تُصبح كثيرة من دون أن يتغير من موادها الأصلية شيء، وإنما التبدلات التي تحدث في خلايا الجسم لا تشمل المواد الأصلية وإنما تقتصر على المواد الإضافية التي تعتبر بمنزلة الهواء في الرئة والغذاء في المعدة. تكشف لنا هذه الحقيقة ظواهر كثيرة من جملتها: بقاء جميع الخواص في الجسم منذ أن كان جنينًا إلى أن يموت، وشعور الإنسان بأن جسمه لم يتبدَّل رغم علمه ومعرفته بتبدل أجزائه كلها.
بعد توضيح هذه الحقيقة نقول: إن الذي يعود من جسم الإنسان هو ذلك البدن الذري الناعم الصغير الذي كان يتألم ويلتذ منذ أن كان جنينًا إلى أن مات وقُبِرَ، وإن هذا البدن لا يُعَدُّ من أجزاء بدن آخر إلَّا في وقت محدود ثم يخرج ليعود في التراب أو في الهواء أو في أي مكان آخر، ثم يجمعه الله سبحانه مرة أخرى وقد يُخرجه في يوم البعث بإضافة أجزاء جديدة عليه ليكون إنسانًا عاديًّا. وقد لا يفعل ذلك، بل يُخرجه بنفس الحجم الأصلي