الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧١ - ٢ - أي الأبدان تحشر؟
وبعض جسم المسلم في النار، وهذا لا يكون.
وبعضهم صاغ الشبهة صياغة أخرى فقال: لو فرضنا أن الطغاة قتلوا مسلمًا ثم أكلوه ولم يبقوا منه شيئًا؛ فماذا سوف يحدث؟. هل يذهب هذا المسلم المأكول إلى الجنة، ومعناه أن يذهب الطغاة إلى الجنة، أو يذهب إلى النار؟. وكيف يُعذِّب الله جسم المسلم وقد أُكِلَ ظلمًا؟.
وفي الافتراض الثاني يلزم أن يُعذَّب أو يتنعَّم بعض الأبدان دون بعض بغير سبب معقول.
أما الافتراض الثالث فإنه يؤدي إلى أن يُعذَّب أو يتنعَّم جسم جديد لا علاقة له بالعمل الخاطئ أو الصالح، وكل هذا بعيد عن حكمة الله وعدله.
الجواب: هناك إجابة إجمالية عن الشبهة، وهي أن هناك جامعًا مشتركًا- لدى العقل والعقلاء- بين أطوار كل شخص منذ أن كان جنينًا وإلى أن يموت، جامعًا مشتركًا يرى العرف بموجبه أنه بعينه في كل الأطوار. فهو الجاني الذي يُؤخذ بجريمة اقترفها قبل عشر سنوات، وهو المثاب بعمل صالح أسداه قبل عشرين سنة؛ فهو هو يرى نفسه كذلك، ويراه الناس كذلك. وبتعبير أولى وأهدى: إن الإنسان الجنين هو الإنسان عند السبعين عند العقل والعقلاء، وإن الزيادة والنقصان عندهما بمثابة الهواء الذي يدخل الرئتين ثم يُلفَظ خارجًا، وإن الله يُعذِّب أو يُنعِّم نفس هذا الإنسان الجامع المشترك، بعمله ويُعيد نفس هذا الجسم الذي لم يتغيَّر منه بزيادة شيء عليه أو دون زيادة.
وهناك خلاف فلسفي واسع حول أن الذي يحسّ بالألم أو بالنعم ما هو؟. الجسم المادي أو النفس أو الروح؟. أو هما معًا؟. أو الجسم بالروح أو الروح بالجسم؟.
النظريتان الأخيرتان تتفقان في أن أحدهما وسيلة للآخر، والجسم في النظرية الأولى هو الذي يحسّ بالألم، ولكن لسبب وجود الروح فيه، كما أن المصباح الكهربائي هو الذي يشع ولكن بسبب جريان التيار فيه. كما أن الروح في النظرية الثانية هي التي تشعر بالألم أو بالنعم، ولكنها تتوسَّل بوسيلة المادة- الجسم- لكي تتمكَّن من هذا الإحساس. وقد ذهب إلى هذه النظرية الأخيرة طائفة كبيرة من الفلاسفة غير أنهم لم يكونوا عالمين بالعلوم الحديثة التي أثبتت تأثر الجسم بالألم واللذة بسبب الأعصاب.