الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٥ - كيف ندرس العقائد؟
إن هذا هو الخط الواضح القويم الذي لا يُمكننا أن ننجح دون الالتزام به والوفاء بمتطلباته.
بيد أن هناك عقبةً تعترض الطريق، وبمدى قدرتنا على تحديها يكون مدى جدارتنا بحماية حضارتنا التليدة وبنائنا للحضارة الجديدة. وهي التطرفات اليمينية واليسارية التي تريد بالمسيرة الانحراف عن خطها المستقيم. فاليمين يحاول تجميدنا على الأوضاع الفاسدة، واليسار يريد تمييعنا في بوتقة الحضارات المعاصرة. اليمين يرفض الأخذ بأي جديد ويحاول بنا الانطواء على شكليات القديم المهترئة والتقوقع في توابيته الفكرية المُحنَّطة، ويرضى لنفسه أن يكون تابعًا أعمى للفلسفة الإغريقية والبرهمية ولا يقبل الانفتاح على معطيات الحضارة الحديثة العلمية، بل ولا على معارف الدين الإسلامي الحق. ولذلك لا يزال يعتكف على منطق أرسطو وهيئة بطليموس وطب جالينوس في عصر المناهج العلمية الدقيقة، حيث يُرتاد الفضاء وتُستخدم الذرة وتُستعمل الأشعة في شفاء الأمراض.
والذي لا ريب فيه أن اليمين بعيد عن روح الإسلام بُعْدَ المشرقين؛ ذلك لأن الإسلام فلسفة شاملة أصيلة متفاوتة كليًّا مع فلسفات الإغريق والبراهمة- الوثنية المشركة-، والإسلام منفتح كليًّا على معطيات العقل والعلم ولا يرضى التقوقع ضمن توابيت القديم.
ولا ريب- كذلك- في أن اليمين عقبة دون بناء الحضارة، لابد من تجاوزها.
والتطرف اليساري هو الآخر عقبة كؤودة يُشكِّلها الانهزاميون، الذين منعتهم التيارات الغربية الشعورَ بأنفسهم، فراحوا ينظرون إلى واقعهم وكيانهم بعيون مستعارة، فلا يرون الَّا مصالح الآخرين. فهم يريدون أن نرفض كل أصيل؛ لأنه- في زعمهم- السبب المباشر لتخلُّفنا.
والمسلمون ظلوا بين تزمّت اليمين وميوعة اليسار لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا؛ ذلك لأن المنحرفين راحوا يُشكِّكون في قدرة الإسلام أن يبني حضارة المسلمين الحديثة الأصيلة. وبما أن الدين لا يزال يتمتع بقاعدة شعبية واسعة وراسخة، فإن المنحرفين لم يقدروا على الهجوم على صلاحية الإسلام أو إمكانية المسلمين للقيام ببناء حضارة حديثة، بل راحوا ينافقون- كل حسب اتِّجاهه المتطرف- أيَّما نفاق.