الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤١ - ١ - الحاجة إلى الإمام
قَالَ الشَّامِيُّ: بَلْ فِي وَقْتِنَا هَذَا.
قَالَ هِشَامٌ: هَذَا الْجَالِسُ (يَعْنِي أَبَا عَبْدِ الله (ع)) الَّذِي نَشُدُّ إِلَيْهِ الرِّحَالَ وَيُخْبِرُنَا بِأَخْبَارِ السَّمَاءِ وِرَاثَةً عَنْ أَبٍ عَنْ جَدٍّ.
قَالَ الشَّامِيُّ: وَكَيْفَ لِي بِعِلْم ذَلِكَ.
فَقَالَ هِشَامٌ: سَلْهُ عَمَّا بَدَا لَكَ.
قَالَ الشَّامِيُّ: قَطَعْتَ عُذْرِي ...» [١].
الإمامة ضرورة حضارية:
إن أبسط تعريف للإنسان وأشمله هو: أن الإنسان خُلِقَ حضاريًّا. وهذا يعني امتلاكه لمؤهلات الحضارة. وليست الحضارة سوى القدرة على التحكم في الذات.
ولا ريب في أن كل إنسان يجد أمامه آفاقًا واسعة يستطيع الانطلاق فيها إلى أسمى مراتب الضبط الذاتي. ولو فتشنا التاريخ لوجدنا أن قفزاته التقدمية كانت نتيجة البطولات السامية التي تتمتع بها فئة قليلة من بني آدم، ولم يكن الآخرون إلَّا مجرد أتباع اقتفوا آثار البطولات تلك. فلولا تلك البطولات إذًا لكان يلفُّ التاريخ ظلام كثيف. وأحداث التاريخ تدل على أن أعظم أولئك الرجال هم المؤيدون بالغيب. فلم يشهد التاريخ من استطاع أن يزكي الناس ويربِّيهم بسيرته المشرقة سوى الأنبياء ومن اتِّبعهم.
وهكذا كان مقتضى النظام الكوني الذي يتمتع بالدقة المتناهية ألَّا يدع مُدبِّرُها الإنسانَ، الذي جُعِلت فيه مؤهلات التقدُّم الحضاري، يعيش الهمجية دون أن يبعث إليه المزيد من هؤلاء الرجال الأفذاذ الذين يُعلِّمون الناس بسيرتهم الشخصية كيف يمكن لهم أن يبلغوا المجد الرفيع، وهذا التعليم العملي يُدعى في منطق الشريعة بالحجة، إذ إن هؤلاء سيكونون دليلًا واقعيًّا على إمكانية التقدُّم الحضاري.
والخلاصة: لابد للناس ممن يُربِّيهم على الضبط الذاتي والأخلاق الحضارية، ولابد أن يتفوَّق هذا الرجل علمًا وعملًا ويبلغ في ذلك المنتهى، ولا يكون ذلك إلَّا لمن عصمه الله.
فلزم أن يبعث الله من خلقه مِنْ يربيهم، فبعث الأنبياء (عليهم السلام) في حينهم، وجعل من
[١] بحار الأنوار: ج ٢٣، ص ٩.