الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٩
٨- إعادة توازن الحياة:
تدل حوادث التاريخ أنه بين فترة وأخرى كانت الفوضى تعمُّ حياة الإنسان على الكوكب، فكان الله سبحانه يبعث إليهم رسلًا يعيدون الإنسان إلى وعيه وإلى صراط مستقيم. وتاريخ الرسالات شاهد واضح على هذه الحقيقة. فإنا نرى أن ابتعاث الرسول كان متزامنًا مع طغيان البشر في كل ناحية من نواحي حياته، حيث كان قد شاع فيهم الظلم، وانتشر الفساد، واختلت الموازين، وافتُقدت القيم، ولم يبقَ من منهج السماء في الأرض إلَّا شيء قليل، وكانت القوى البشرية عاجزة تمامًا عن إصلاح الوضع.
ومع أن كل الناس كانوا ينشدون الخلاص فإنه لم يكن يستطيعه أي شخص وأية فئة وأية فكرة، وهنا كان الغيب، يتدخَّل ليُنقذ حياة البشر، ويُخلِّصه من تيهه وضلاله، وكان ضروريًّا أن يتدخَّل الغيب؛ ذلك لأن الله سبحانه لم يخلق الإنسان إلَّا ليسعد في الدنيا ويفلح في الآخرة، ولم يكن ممكنًا- في ظل تلك الظروف- التمتع بالسعادة لأي فرد دون تدخُّل إلهي وبعث الرسل.
٩- التبشير و الإنذار:
إن الله قد جعل الدنيا دار بلاء واختبار، وجعل الآخرة دار جزاء وثواب [١]، وكان من تمام النعمة عليهم أن يبعث من يُبشِّرهم بالجنة التي أُعدت للمتقين، ويُنذرهم بالنار التي أُعدت للكفارين والفاسقين، ويُبيِّن لهم ما يتقون عنه من السيئات. ولولا ذلك لكان للناس عليه الحجة البالغة، وكانوا يقولون: ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك فإن كنت قد بعثته إلينا لكنَّا من المهتدين. ثم إن سعادة الإنسان في الآخرة تفوق أهمية سعادته في الدنيا؛ ذلك لأن الآخرة تدوم والدنيا تزول، وقليل يدوم أفضل من كثير يزول. ألم يكن إذًا من حكمة الله ورحمته الواسعة أن يبعث من يهدي الناس إلى السبل الموصلة إلى الجنة؟.
قال الله سبحانه: وَ ما نُرْسِلُ الْمُرْسَلينَ إِلّا مُبَشِّرينَ وَ مُنْذِرينَ [٢].
هذه طائفة من الحِكَم التي أرسل الله من أجلها الأنبياء (عليهم السلام)، وفيها الشهادة الكافية على الحاجة إلى الرسول أيضًا؛ لأنه لابد للبشر من إنسان يقودهم إلى الحق حتى يستجيبوا
[١] راجع فصل المعاد.
[٢] سورة الأنعام، آية: ٤٨.