الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١١ - بماذا يعرف الرسول؟
لو لم يكن مالكها ظلم عظيم لنفسه وللناس أجمعين. إذا عُرِفَ الرسول كذلك عُرِفَ أنه رسول الله حقًّا. قال الله تعالى: أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ [١].
وقال سبحانه: قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبّي وَ رَزَقَني مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَ ما أُريدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُريدُ إِلَّا اْلإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفيقي إِلّا بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ إِلَيْهِ أُنيبُ [٢].
وقال عزوجل: النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَ لا تُفْسِدُوا فِي اْلأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ (٨٥) وَ لا تَقْعُدُوا بِكُلِ صِراطٍ تُوعِدُونَ وَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ تَبْغُونَها عِوَجًا وَ اذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَليلًا فَكَثَّرَكُمْ وَ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدينَ (٨٦) وَ إِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذي أُرْسِلْتُ بِهِ وَ طائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمينَ [٣].
وجاء في الحديث عن أمير المؤمنين (ع):
«اعْرِفُوا الله بِالله، وَالرَّسُولَ بِالرِّسَالَةِ ..»[١].
[١] سورة المؤمنون، آية: ٦٩.
[٢] سورة هود، آية: ٨٨. لقد استدل النبي هود (ع) في هذه المقطوعة، التي ينقلها القرآن بحجج بليغة على صدق رسالته، وهي بالترتيب التالي: (إن لي بينة من ربي) وهي المعجزة التي كانت معه، وإن الله قد نفعني بالرسالة فرزقني بها السعادة والفلاح. لقد سبق أن الرسالة الإلهية تُسعد الإنسان في الدنيا كما تُسعده في الآخرة، ثم إني أول عامل بما أقول وفي هذا دليل صدق دعواي؛ إذ إن الكاذب لا يعمل بما يقول، وإني أريد الإصلاح فلست رجلًا استغلاليًّا، وإني أجهد نفسي بخوض المعركة دون أن أعتمد على قوة ظاهرية، والفرد الذي يعمل هذا العمل إما مجنون وأنتم ترونني رشيدًا وإما أعتمد على قوة هي أكبر من قوة الأرض وهي قوة الله تعالى الذي عليه توكلت، وليس في عملي علامة السفه أو الطيش حتى أُنسب إلى الكذب، والكاذب لا يُكذِّب إلَّا لأنه يُقدِّم مصلحته الخاصة، أما أنا فإنني رجل مُنيب قد قتلت هواي وأخضعت نفسي لتوجيه عقلي. وتدل هذه الآية على أن الله كان ينصر رسله بطرق غيبية، وهي الحجة البالغة على صدقهم.
[٣] سورة الأعراف، آية: ٨٥- ٨٧. هذه الآية المباركة نموذج خارجي لواقع دعوة الأنبياء (عليهم السلام)، ذلك لأن شعيبًا أمر قومه بما ينظم جميع نواحي حياتهم، فأمرهم أولًا بعبادة الله الواحد، ثم أمرهم بالعدل الاجتماعي وما يستتبعه من ضبط المكيال والميزان، والوفاء بالحقوق، والانتهاء من كل فساد، وعدم التآمر على الدولة الحقة لسرقة الحكم ظلمًا، ثم أمرهم بالتذكّر والاعتبار وهما توجيهان إلى العقل، ثم أمرهم بالصبر وهو تزكية للنفس. هذه هي الخطوط الرئيسية التي سار عليها كل الأنبياء، وهي بالذات ما سبق وأن قلنا: إنها وجوه الحاجة إلى الرسالة والرسول.
[٤] بحار الأنوار: ج ٣، ص ٢٧٠.