الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٧ - ٣ - الدليل إلى الله
التوحيد:
١- قالت المجوس: إن للكون إلهين اثنين أحدهما للخير والثاني للشر، ويسمون إله الخير بإله النور، وإله الشر بإله الظلمة. والذي أضلَّهم هذا الضلال المبين هو جهلهم بطبيعة الشر وسبب وجوده في الحياة، فزعموا أنه لا يمكن أن يكون خالق النور هو خالق الظلمة، وربّ الخير هو رب الشر. ولقد أضلهم هذا الجهل إلى أن الإلهين لابد أن يكونا في صراع دائم يُمثِّله في الخارج جنود الخير والشر، والنور والظلمة. ومن هنا فهم قائلون بتعدد الآلهة ليكون أحدهما ممثلًا للخير وخالقًا له، والثاني ممثلًا للشر وخالقا له. ولابد عندهم من أن يكون النزاع دائمًا بين الإلهين، والَّا فقد التعدد معناه.
ومن هنا فإنهم يزعمون أن كلًّا من إله الخير وإله الشر عاجزان عن التغلُّب على الآخر. فإن أثبتنا- كما سيأتي- أن الله الخالق لا يمكن أن يكون عاجزًا عرفنا أن الله أحد وهو إله الخير والشر، وجاعل النور والظلام، وأنه لا يمكن أن يكون هناك إله آخر ليس لله تعالى طرده والانتصار عليه.
٢- إن الفلسفة الإغريقية، وروحها السارية في اليهودية والنصرانية، ادَّعت تعدُّد الآلهة بسبب زعمهم أن الله قد أولد الأشياء، فأضلهم جهلهم بطبيعة الخلق، وزعموا أن طبيعة الخلق إنما هي ولادة شيء عن الله سبحانه وصدوره عنه كما تفيض العيون بالماء.
فإذا ثبت لدينا أن خلق الله إنما هو بنحو الإبداع يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [١]، لأن قدرته ذاتية، وعرفنا أنه إذا حُدِّدَ الذاتي انقلب إلى أمر عرضي، إذ معنى ذاتية القدرة أن الذاتي لا يمكن أن يكون عاجزًا بل إنه كواقع العلم الذي لا يمكن أن ينقلب إلى الجهل، بل العلم علم بالذات. أقول: إذا ثبت لدينا هذا ثبتت سخافة الفلسفة الإغريقية وتابعتها اليهودية والنصرانية في هذا المجال، وانهار بناء القول بتعدُّد الآلهة، بناء الزردشتية الشرقية والإغريقية الغربية.
هذه بعض النقاط التمهيدية. أما تفصيل الأدلة على التوحيد، فهي:
١- لكل اثنين ثالث ولكل ثلاثة رابع، والسبب أنه لابد لكل اثنين من عنصرين أحدهما يُميِّزه عن الآخر والثاني يحقق وجوده، فزيد وعمر يشتركان بعنصر الرجولة
[١] سورة البقرة، آية: ١١٧.