الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٥ - ٣ - الدليل إلى الله
علمنا محدود بالوقت والكمية، ومثل هذا كل شيء في العالم.
٢- ليس لنا أن ندَّعي أن ما بنا من علم ووجود هو من معطيات ذواتنا الأولية، وأن ذواتنا هي الوجود والعلم، إذ لو كنا نملك بذاتنا أن نُوجد أنفسنا إذًا لأوجدناها كبيرةً قديرةً كما نُحب، باقيةً خالدةً كما نأمل، كذلك لو كنا نملك العلم بذاتنا إذًا لأعطينا أنفسنا علم كل شيء وبالتالي ما نسينا شيئًا أبدًا.
٣- فإذا لم تكن ذاتنا بالعلم والوجود كما هي الحقيقة، فلا بد أن نهتدي إلى أنها من طبيعة العدم والجهل. فنعرف أن ما بها من وجود وعلم هو من مصدر كامل الوجود وتام العلم، ذلك الذي لا نقص فيه ولا ضعف ولا عجز، وذلك الذي لا جهل معه ولا نضوب له، وأن مالك الوجود الذي يُعطينا منه قدرًا مقدورًا ومالك العلم الذي يفيض علينا منه قبسًا محدودًا، أنه لا يمكن أن يُحدَّد وجوده بعجز أو فقر أو ضعف، ولا يجوز أن يُقدَّر علمه بنوع دون آخر وبكيف دون كيف أو بشيء دون شيء، وإلَّا لكان مثلنا مخلوقًا مملوكًا، ويكون ذاته عدمًا وجهلًا كما هي ذاتنا.
٤- إن هذه الحقائق تهدينا إلى أن ما في الآفاق وما في أنفسنا من آيات الكمال والجمال دالةٌ على ما لواهبها من كمال ذاتي لا محدود وجمال تام لا متناهٍ، وأنها بما فيها من معالم الضعف والنقص دالةٌ على تعالي خالقها منها وتساميه عنها، وبهذا نهتدي إلى ما لله من أسماء حسنى وما هو منزَّه عنه من صفات المخلوقين.
قال الله تعالى: هُوَ اللّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحيمُ (٢٢) هُوَ اللّهُ الَّذي لا إِلهَ إِلّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزيزُ الْجَبّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحانَ اللّهِ عَمّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ اْلأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ اْلأَرْضِ وَ هُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ [١].
وَقَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ (ع):
«الحَمْدُ لله الَّذِي لَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ، وَلَا مِنْ شَيْءٍ كَوَّنَ مَا قَدْ كَانَ، المُسْتَشْهِدِ بِحُدُوثِ الْأَشْيَاءِ عَلَى أَزَلِيَّتِهِ، وَبِمَا وَسَمَهَا بِهِ مِنَ الْعَجْزِ عَلَى قُدْرَتِهِ، وَبِمَا اضْطَرَّهَا إِلَيْهِ مِنَ الْفَنَاءِ عَلَى دَوَامِهِ، لَمْ يَخْلُ مِنْهُ مَكَانٌ فَيُدْرَكَ بِأَيْنِيَّةٍ، وَلَا لَهُ شَبَحُ مِثَالٍ فَيُوصَفَ بِكَيْفِيَّةٍ ..»[١].
[١] سورة الحشر، آية: ٢٢- ٢٤.
[٢] بحار الأنوار ج ٤، ص ٢٢١.