الرواشح السماوية - ط دار الحدیث - المير داماد الأسترآبادي - الصفحة ٣٢ - في معنى قوله المرهوب بجلاله ، المرغوب إليه فيما عنده
بعض ، كما يقال : السبب أعلى من المسبّب .
إذا عرفتْ ذلك فنقُول : يستحيل أن يكون بالمعنى الثاني ؛ لتنزّهه عن الكمالات الخياليّة التي يصدق لها العلوّ الخيالي ؛ إذ هي كمالات إضافيّة تتغيّر وتتبدّل بحسب الأشخاص والأوقات ، وقد تكون كمالات عند بعض الناس ونقصانات عند آخَرين ، كدول الدنيا بالنسبة إلى العالم الزاهد ، ويتطرّق إليه الزيادة والنقصان ، ولا شئ من كمال الأوّل الواجب سبحانه - لتنزّهه عن النقصان والتغيير - بوجه مّا ، فبقي أن يكون علوّه علوّاً عقليّاً مطلقاً ، يعني أنّه لا رتبة فوق رتبته ، بل جميع المراتب العقليّة منحطّة عنه .
" ودنا فتعالى " قد أورد الجامع المؤلّف - قدّس سرّه الشريف - " الدنوّ " مقابلاً ل " العلوّ " المستلزمِ للبُعد ، وكما علمت أنّ العلوّ يقال على المعاني الثلاثة المذكورة بحسب الاشتراك ، فكذلك ل " الدنوّ " يقال : ثلاثة معان مقابلةً لها .
فيقال : مكانُ فلان دنىّ من مكان فلان إذا كان أسفلَ منه .
ويقال : رتبة المُلك الفلاني أدونُ من رتبة السلطان الفلاني ، إذا كان في مرتبة أقلَّ منه ، ورتبةُ المعلول أدنى من رتبة علّته .
ويقال على معنىً رابع ، فيقال : فلان أدنى إلى فلان وأقربُ إليه إذا كان خِصِّيصاً به مطّلعاً على أحواله أكثرَ من غيره .
والبارئ تعالى منزّه عن أن يراد بدنوّه أحدُ المفهومات الثلاثة الأوَل ، بل المراد هو المفهوم الرابع ، فَقُرْبه في دُنُوِّه إذن بحسب علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ، ولا في السماء ، ولا أصغرَ من ذلك ، ولا أكبرَ . [١] ف " تعالى " ردّ الأحكام الوهميّة بأنّ ما قرب منها فقد ساواها في أمكنتها ، فيقال : قُرْبه ليس منافياً لبُعدِه عن مخلوقاته ؛ لاجتماع العلوّ والدنوّ في شيء واحد بهذا المعنى .
[١] مأخوذ من الآية الشريفة . سبأ ( ٣٤ ) : ٣ .