تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٣٣
العبرة من حبي إياه ورقتي عليه ، لما رأيت من حاله حتى بكيت وبكى قال : وأنت فحياك الله يا هرم بن حيّان كيف أنت يا أخي؟ من دلّك علي؟ قلت : الله ، قال : لا إله إلّا الله سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ، فقلت له : فمن أين عرفت اسمي واسم أبي وما رأيتك قبل اليوم ولا رأيتني؟ قال : أنبأني بذلك العليم الخبير ، عرفت روحي روحك حيث كلّمت نفسي نفسك ، إن الأرواح لها أنفسا كأنفاس الأجساد ، وان المؤمنين ليعرف بعضهم بعضا ، ويتحابّون بروح الله وإن لم يلتقوا ، ويتعارفوا وإن نأت بهم الديار ، وتفرقت بهم المنازل. قلت : حدثني رحمك الله عن رسول الله ٦ قال : إني لم أدرك رسول الله ٦ ، ولم يكن له معه صحبة بأبي وأمي رسول الله ٦ ، ولكني قد رأيت رجالا رأوه ، ولست أحب أن أفتح هذا الباب على نفسي ، أن أكون محدثا أو قاصّا أو مفتيا ، في نفسي شغل عن الناس قلت : أي أخي اقرأ علي آيات من كتاب الله أسمعها منك وأوصني بوصية أحفظها ، فإني أحبك في الله قال : فأخذ بيدي ثم قال : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم قال ربي وأحق القول قول ربي وأصدق الحديث حديث ربي فقرأ : (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِ) إلى قوله (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)[١] فشهق شهقة فنظرت إليه ، وأنا أحسبه قد غشي عليه ثم قال : يا هرم بن حيّان مات أبوك حيان ، ويوشك أن تموت أنت ، فإمّا إلى الجنة وإمّا إلى النار ، ومات أبوك آدم ، ويوشك أن تموت ، وماتت أمك حواء يا ابن حيان ، ومات نوح نبي الله ٦ ، ومات إبراهيم خليل الله ، ومات موسى نجيّ الرّحمن ، ومات داود خليفة الرّحمن ، ومات محمد ٦ ، وعليهم أجمعين ، ومات أبو بكر خليفة رسول الله ٦ ، ومات أخي وصديقي عمر بن الخطاب ، فقلت له : إن عمر لم يمت ، قال : بلى قد نعاه إليّ ربي ، ونعا إليّ ربي وأنا وأنت من الموتى ، ثم صلى على النبي ٦ ودعا بدعوات خفاف. ثمّ هذه وصيتي إياك كتاب الله ، ونعى المرسلين ، ونعى صالح المؤمنين. وعليك بذكر الموت ولا يفارق قلبك طرفة عين ما بقيت ، فانذر بها قومك إذا رجعت إليهم ، وانصح الأمة جميعا ، وإياك أن تفارق الجماعة فتفارق دينك وأنت لا تعلم فتدخل النار ، وادع لي ولنفسك. ثم قال : اللهم إنّ هذا يزعم أنّه يحبني فيك ، وزارني من أجلك ، فعرفني وجهه في الجنة ، وادخله عليّ في دارك دار السلام ، واحفظه ما دام في الدنيا حيا ، وأرضه باليسير ، واجعله لما أعطيته من نعمتك من
[١] سورة الدخان ، من الآية : ٣٨ إلى ٤٢.