تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٢٧
الجرمي ، عن هرم بن حيّان قال [١] : قدمت الكوفة فلم يكن لي همّ [٢] إلّا أويس القرني أطلبه وأسأل عنه ، حتى سقطت عليه نصف النهار على شاطئ الفرات يتوضأ أو يغسل ثوبه. قال : فعرفته بالنعت الذي نعت لي ، فإذا رجل لحيم آدم أشعر محلوق الرأس ، كث اللحية مغبرا ، كريه [٣] المنظر والوجه ، عليه إزار من صوف ، ورداء من صوف فسلّمت عليه فقلت : حيّاك الله من رجل. كيف أنت رحمك الله وغفر لك يا أويس؟ فقال : وأنت فحياك الله يا هرم بن حيّان كيف أنت؟ قال : وخنقتني العبرة حين رأيت من حاله ما رأيت قال : فمددت يدي لأصافحه ، فأبى أن يصافحني قال : وعجبت حين عرفني وعرف اسم أبي ، ما كنت رأيته قبل ذلك ولا رآني. قال : قلت : رحمك الله من أين عرفتني وعرفت اسم أبي ولم أكن رأيتك قط؟ قال : نبأني العليم الخبير وعرفت روحي روحك حين كلّمت نفسي نفسك ، إن الأرواح لها أنفس [٤] كأنفس الأجساد يتحابّون بروح الله ، وإن لم يتلاقوا ولم يتعارفوا ، وتفرقت بهم المنازل قال : فقلت : حدّثني بحديث من رسول الله ٦ أحفظ عنك فقال : إني لم أدرك رسول الله ٦ بأبي رسول الله وأمي ، ولم تكن لي معه صحبة ، ولكن أدرك رجالا رأوه فحدّثوني عنه نحو ما حدّثوك ولست أحبّ أن أفتح هذا الباب على نفسي أن أكون محدّثا [٥] قاصا أو مفتيا ؛ في نفسي شغل عن الناس يا هرم بن حيّان ، قال : قلت اقرأ عليّ آيات من كتاب الله ، أسمعها منك وادع لي بدعوات أحفظها عنك ، فإني أحبك حبا شديدا فقال : (سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً)[٦] فأخذ بيدي فمشى بي على شاطئ الفرات ثم قال : أعوذ بالسميع العليم : من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم (وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ) إلى قوله (إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ)[٧] قال : فنظرت إليه وأنا أحسب أنه قد غشي عليه. قال : ثم نظر إليّ فقال : يا هرم بن حيّان مات أبوك فإما إلى الجنة وإما إلى النار ، ويوشك أن تموت ، ومات آدم وماتت حواء ومات إبراهيم خليل الله ، وموسى نجيّ الله ، ومات داود خليفة الله ،
[١] حلية الأولياء ٢ / ٨٤ ـ ٨٥ وسير أعلام النبلاء ٤ / ٢٨ ـ ٢٩.
[٢] عن الحلية والسير ، وبالأصل «عم».
[٣] الحلية والسير : مهيب المنظر.
[٤] السير : لها أنس كأنس الأجساد.
[٥] الحلية : قاضيا.
[٦] سورة الإسراء ، الآية : ١٠٨.
[٧] سورة الدخان ، من الآية : ٣٨ إلى ٤٢.