تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٩٥ - ٣٠٤٧ ـ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي
همدان ، وفرض لي في الشرف فلم أزل عنده بأحسن منزلة حتى كان عبد الرّحمن بن الأشعث ، فأتاني قراء أهل الكوفة ، فقالوا : يا أبا عمرو إنّك زعيم القراء فلم يزالوا حتى خرجت معهم ، فقمت بين الصفين أذكر الحجّاج وأعيبه بأشياء قد علمتها ، قال : فبلغني أنه قال : ألا تعجبون من هذا الشعبي الخبيث الذي جاءني وليس في الشرف من قومه ، فألحقته بالشرف وجعلته عريفا على الشعبيين ، ومنكبا على جميع همدان ، ثم خرج مع عبد الرّحمن يحرّض عليّ ، أما لئن أمكن الله منه لأجعلنّ الدّنيا أضيق عليه من مسك [١] حمل ، قال : فما لبثنا أن هربنا فجئت إلى بيتي ، فدخلته وأغلقت عليّ بابي ، فمكثت تسعة أشهر ، الدنيا أضيق عليّ كما قال من مسك حمل ، فندب الناس لخراسان فقام قتيبة بن مسلم فقال : أنا لها فعقد له على خراسان وعلى ما غلب عليه منها ، وأمّن له كل خائف ، فنادى مناديه : من لحق بعسكر قتيبة فهو آمن ، فجاءني شيء لم يجئني شيء هو أشد منه ، فبعثت مولى لي إلى الكناسة [٢] فاشترى لي حمارا وزوّدني ، ثم خرجت فكنت في العسكر فلم أزل معه حتى أتينا فرغانة [٣] فجلس ذات يوم وقد برّق ، فنظرت إليه فعرفت ما يريد ، فقلت : أيّها الأمير عندي علم ما تريد ، قال : وما أنت؟ قال : قلت : أعيذك ألّا تسأل عن ذاك ، قال : أجل ، فعرف أني ممن يخفي نفسه ، قال : فدعا بكتاب قال : اكتب نسخة قلت : لست تحتاج إلى ذلك ، فجعلت أملي عليه وهو ينظر إليّ حتى فرغت من كتاب الفتح ، قال : فحملني على بغلة وأرسل إليّ بسرق من حرير ، وكنت عنده في أحسن منزلة ، فإنّي ليلة أتعشى معه إذا أنا برسول من الحجّاج بكتاب فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فإن صاحب كتابك عامر الشعبي ، فإن فاتك قطعت يدك على رجلك وعزلتك ، قال : فالتفت إليّ فقال : ما عرفتك قبل السّاعة ، فاذهب حيث شئت من الأرض ، فو الله لأحلفنّ له بكل يمين قال : قلت : يا أيها الأمير إنّ مثلي لا يخفى ، قال : فقال : أنت أعلم ، قال : فبعثني إليه مع قوم وأوصاهم بي ، قال : إذا نظرتم إلى خضراء واسط فاجعلوا في رجليه قيدا ثم أدخلوه على الحجّاج ، قال : فلما دنوت من واسط استقبلني ابن أبي مسلم فقال : يا أبا عمرو إني لأضنّ بك عن القتل ، إذا دخلت على
[١] مسك الحمل جلده ، وفي الجليس الصالح : جمل.
[٢] محلة معروفة بالكوفة.
[٣] مدينة وكورة واسعة فيما وراء النهر ، متاخمة لبلاد تركستان على يمين القاصد لبلاد الترك (معجم البلدان)