تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٩٣ - ٣٠٤٧ ـ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي
بين الخليلين أن يلمّ أحدهما صاحبه على شعثه ويهضم له نفسه ، ومتى لم يفعل هذا لم يكن على ثقة من استيفائه [١] وكان يعرض مصارمته ، وانقباضه عنه ومعارزته [٢] وبيت النابغة في هذا البيت أفحل وأوفى وأجزل وأشفى ، وقد كشف عن العلّة فيما أتي به بقوله : أيّ الرجال المهذّب ، فأحسن العبارة عن هذا المعنى ، من لك يوما بأخيك كلّه. وقد نوّه ببيت النابغة هذا رواه الشعر ونقلته ، ونقّاده وجهابذته ، واستحسنوا تكافؤ أجزائه ، واستقلال أركانه ، واشتماله على فقر قائمة بأنفسها ، كافية كل واحدة منها. وهذا من النوع المستفصح ، والفن المستعذب المستملح من أعلى طبقات البلاغة ، وقد أتى القرآن منه بالكثير الذي يقل ما أتى منه في الشعر إذا قيس إليه ، فتبين بالمميزين كثير فضل ما في القرآن عليه ، فمن ذلك قول الله عزوجل : (فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ، اللهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ ، اللهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)[٣] ولنا في هذا الباب رسالة لنا فيها رجحان ما في القرآن من هذا الجنس على كثرته ، على ما أتى منه في الشعر على قلته ، فلم نطل كتابنا هذا بإعادته ، وقد ضممنا منه صدرا صالحا كتابنا المسمى : «البيان الموجز عن علوم القرآن المعجز» ومن نظر فيه أشرف على ما يبتهج بدراسته ، ويغتبط باستفادته ، بتوفيق الله تعالى وهدايته.
قرأت على أبي القاسم زاهر بن طاهر ، عن أبي بكر البيهقي ، أنا أبو عبد الله الحافظ. حدّثني أبو سعيد ـ يعني محمّد بن أحمد بن شعيب الفقيه الخفّاف ـ نا الحسين بن الحسين بن منصور ، نا محمّد بن عبد الوهاب ، نا علي بن عثّام ، عن أبيه قال :
هرب الشعبي من الحجّاج بن يوسف حتى وقع إلى خراسان فكتب عبد الملك إلى قتيبة بن مسلم في طلبه ورده إلى حضرته ، فلما ورد على عبد الملك وجلس في مجلسه خطّأه عبد الملك في أول مجلس جلس إليه في ثلاث ، سمع من عبد الملك حديثا فقال : اكتبنيه يا أمير المؤمنين ، فقال : نحن معاشر الخلفاء لا نكتب ، وذكر الشعبي رجلا فكناه
[١] الجليس الصالح : استبقائه.
[٢] عن الجليس الصالح وبالأصل وم : مغارزته.
[٣] سورة الشورى ، الآية : ١٥.