تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٣٩٢ - ٣٠٤٧ ـ عامر بن شراحيل بن عبد أبو عمرو الشعبي الكوفي
وقول الحطيئة :
| من يفعل الخير لا يعدم جوازيه | لا يذهب العرف بين الله والناس |
وقول الحارث بن عمرو :
| من يلق خيرا يحمد الناس أمره | ومن يغولا يعدم على الغيّ لائما |
وقول الشماخ :
| وكلّ خليل غير هاضم نفسه | لوصل خليل صارم أو معارز |
فقال عبد الملك حججتك يا شعبي ، يقول طفيل الغنوي :
| ولا أجالس جاري في حليلته | ولا ابن عمّي غالتني إذا غول | |
| حتى يقال إذا دلّيت في جدث | أين ابن عوف أبو قرّان مجعول |
قال القاضي أبو الفرج : بيتا طفيل اللذان أنشدهما عبد الملك وفضلّهما ، وزعم أنه حجّ الشعبي بهما ـ وإن كانا بليغين جيدي المعنى ـ فالذي أنشده الشعبي من أشعار الشعراء غير مقصّر عنهما ، ومن تأمّل [ما][١] وصفنا وجده على ما ذكرنا ، من غير أن يحتاج إلى تكلّف تفسير ذلك ، وإطناب في الاحتجاج له.
فأمّا بيت الشماخ فإن معنى قوله غير هاضم نفسه ، أي حامل عليها لخليله ، والهضم : النقص ، يقال : هضم فلان فلانا حقه أي نقصه ، قال الله جل جلاله : (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً)[٢] ، وأما قوله أو معارز ، فالمعارز : المتقبض ، يقال استعرز عني فلان إذا انقبض ، وألقيت البضعة على النار فعرزت [٣] وكان الشماخ سلك سبيل النابغة في بيته الذي أنشده الشعبي في هذا الخبر ، وأصل الغرض في هذه الجملة ، على ما بين البيتين منا لأحدهما من الشّفّ من تنقيح ألفاظ الشعر ، وفضل استغناء أجزاء أحد البيتين على أجزاء الآخر ، وأنا قائل في هذا قولا نبين صحته ونوضح حقيقته إن شاء الله ، فأقول وبالله التوفيق : إن جملة ألفاظ البيتين التي يجمعها على معنى واحد ، هو أن الذي يحفظ الاخوة بين الأخوين ، ويحرس الخلّة
[١] الزيادة عن م والجليس الصالح.
[٢] سورة طه ، الآية : ١١٢.
[٣] بالأصل وم : «أو مغارز ... استغرز ... فغرزت ...» والمثبت عن الجليس الصالح.