العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٤٥
في ملك الغير لأنّه يؤدّي إلى ضرر مالكه بدلالة أنّ ما لا ضرر عليه في ذلك جاز لنا أن نتصرّف فيه مثل الاستظلال بفيء داره، و الاستصباح بضوء ناره، و الاقتباس منها، و أخذ ما يتساقط من حبّة عند الحصاد، و غير ذلك من حيث لا ضرر عليه في ذلك، فعلمنا أنّ الّذي قبح من ذلك إنّما قبح لضرر مالكه لا لكونه مالكا، و القديم تعالى لا يجوز عليه الضّرر على حال، فينبغي أن يسوغ لنا التّصرف في ملكه.
و لمن نصر هذا الدّليل أن يقول: إنّما حسن الانتفاع في المواضع الّتي ذكرتموها لا لارتفاع الضّرر، بل لأنّ هذه الأشياء لا يصحّ تملّكها، لأنّ في الحائط ليس بشيء يملك إذا كان في طريق غير مملوك، و متى كان الفيء في ملك صاحبه و قبح الدّخول إليه، و كذلك القول في المصباح.
فأمّا أخذ ما يتناثر من حبّة فلا نسلّم أنّه يحسن، و كيف نسلّم و له أن يمنعه من ذلك و أن يجمعه لنفسه، و لو كان مباحا له لم يجز له منعه منه، على أنّه على العلّة الّتي ذكروها من اعتبار دخول الضّرر على مالكه كان ينبغي أن لا يسوغ له أخذ ما يتناثر من حبّة، لأنّا لا نعلم أنّ ذلك يدخل عليه فيه ضرر و إن كان يسيرا.
و على المذهبين جميعا، كان ينبغي أن يقبح ذلك، على أنّ ذلك لو قبح لضرر - لا لفقد الإذن من مالكه - لكان ينبغي أن لو أذن فيه ألاّ يحسن ذلك لأنّ الضرر حاصل.
و ليس لهم أن يقولوا: إنّه يحصل له عوض أكثر منه من الثّواب أو السرور عاجلا.
و ذلك أنّا نفرض في من لا يعتقد العوض على ذلك من الملاحدة«»، و ليس هو أيضا ممّا يسرّ به بل ربّما شقّ عليه و اغتمّ به، و مع ذلك حسن التصرف منه إذا أذن فيه.
و ليس لأحد أن يقول: إنّ دليل العقل الدّال على إباحة هذه الأشياء يجري مجرى إذن سمعيّ، فجاز لنا التّصرّف فيها.
و ذلك أنّ لمن نصر هذا الدّليل أن يقول: لم يثبت ذلك، و لو ثبت لكان الأمر على ما قالوه.
و نحن نتّبع ما يستدلّ به أصحاب الإباحة و نتكلّم عليها إن شاء اللَّه.