العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٧٤
الاتّعاظ و التّدبّر و التفكّر، و ذلك هو المفهوم من ظاهره و إطلاقه، لأنّه لا يقال لمن يستعمل بالقياس العقلي أنّه معتبر، [كما يقال فيمن يتفكّر في معاده، و يتدبّر أمر منقلبه و يتّعظ بذلك أنّه معتبر]«»و كثير الاعتبار، و قد يتقدّم بعض النّاس في العلوم و إثبات الأحكام من طريق القياس، و يقلّ فكره في معاده و تدبّره فيقال إنّه غير معتبر، أو قليل الاعتبار.
و قد يستوي في المعرفة بحال الشّيء و إثبات حكمه اثنان، فيوصف أحدهما بالاعتبار دون الآخر على المعنى الّذي ذكرناه، و لهذا يقولون عند الأمر العظيم: إنّ في هذه لعبرة، و قال اللَّه تعالى: و أنّ لكم في الأنعام لَعِبرة.
و ما روي عن ابن عبّاس خبر واحد لا تثبت بمثله اللّغة، و لو صحّ لكان محمولا على المجاز بشهادة الاستعمال الّذي ذكرناه.
على أنّا لو سلّمنا جواز استعمال الاعتبار في المقايسة، لم يكن في الآية دلالة إلاّ على ما ذكر منها من أمر الكفّار، و ظنّهم أنّ حصونهم مانعتهم من اللَّه تعالى، و وقوع ما وقع بهم، فكأنّه قال اللَّه تعالى: فاعتبروا بذلك يا أولي الأبصار، و ليس يليق هذا الموضع بالقياس في الأحكام«»الشّرعيّة، لأنّه تعالى لو صرّح بعقب ما ذكر من حال الكفّار بأن يقول: فقيسوا في الأحكام الشّرعيّة و اجتهدوا، لكان الكلام لغوا لا فائدة فيه، فلا يليق بعضه ببعض. فثبت أنّه أراد الاتّعاظ و التفكّر.
على أنّه يمكن أن يقال لهم: على تسليم تناول اللّفظة للقياس بإطلاقها، ما تنكرون أنّا نستعمل موجب الآية، بأن نقيس الفروع على الأصول، في أنّا نثبت لها الأحكام إلاّ بالنّصوص، لأنّ هذا أيضا قياس فقد ساويناكم في التّعلّق بالآية، فمن أين لكم أنّ القياس الّذي تناولته الآية هو ما تذكرونه دون ما ذكرناه، و كلاهما قياس على