العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٩٢
القطع على صحّة القياس، و قول القوم به بما لا يحتمل التّأويل.
فأمّا قول بعضهم«»: إنّهم فعلوا ذلك تشددا و احتياطا للدّين حتى لا يقول الفقهاء على القياس، و يعدلوا عن تتبّع الكتاب و السنّة.
فظاهر السّقوط، و ذلك أنّ التّشدد لا يجوز أن يبلغ إلى إنكار ما أوجبه اللَّه تعالى، أو فسخ فيه، و لا يقتضي أن يخرجوا إنكارهم المخرج الموهم لإنكار الحقّ، و لو كان ذلك غرضهم لوجب أن يصرّحوا بذمّ العدول عن الكتاب و السّنّة، و الإعراض عن تأمّلهما و التشاغل بغيرهما من غير أن يطلقوا إنكار القياس و الرّأي اللّذين هما عندكم أصلان من أصول الدّين تاليان للكتاب و السّنة و الإجماع على أنّه يمكن أن يقال لهم: مع تسليم ارتفاع النّكير، لم أنكرتم أن يكون بعض الصّحابة الّذين حكيتم عنهم الاختلاف في مسألة الحرام و غيرها قد رجع في مذهبه إلى القياس، و هو من كان قوله منهم أبعد من أن يتناوله شيء من ظواهر الكتاب و السّنّة؟ و أن يكون الباقون رجعوا في مذاهبهم إلى النّصوص و أدلّتها؟ غير أنّ من ذهب إلى القياس منهم لم يظهر وجه قوله، و لا علمت الجماعة أنّه قاله قياسا، و لو علموا بذلك لأنكروه، غير أنّهم لا يعلمونه و أحسنوا الظّنّ بالقائل و ظنّوا أنّه لم يقل إلاّ عن نصّ أو طريق يخالف القياس.
و ليس يجب أن يكون وجه قول كلّ واحد منهم على التّفصيل معلوما للجماعة، و متى أوجبوا ذلك و ادّعوه طالبناهم بالدّليل على صحّته و لن يجدوه، و هذا أيضا ممّا لا انفكاك لهم منه.
و استدلّوا أيضا بأن«»قالوا: قد ظهر عن الصّحابة القول بالرّأي و إضافة المذاهب إليه، و لفظة «الرّأي» إذا أطلقت لم تفد القول بالحكم من طريق النصّ، لأنّ ما طريقه العلم لا يضاف إلى الرّأي جليّا كان الدّليل أو خفيّا، و لا يستفاد من ذلك إلاّ القول من طريق القياس و الاجتهاد، و الأخبار الواردة في ذلك كثيرة: