العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٠٨
فأمّا تعلّقهم بتسويغ الفتيا، و إحالة بعضهم على بعض بها.
فغير صحيح، و ذلك إنّهم يدّعون في تسويغ الفتيا ما لا نعلمه، و كيف يسوّغون الفتيا على جهة التّصويب لها؟ و نحن نعلم أنّ بعضهم قد ردّ على بعض و خطّأه، و خوّفه باللَّه تعالى من المقام على الهوى، و هذا غاية النّكير.
و إنّ أرادوا أنّهم سوّغوها«»من حيث لم ينقضوها و يبطلوا الأحكام المخالفة لهم. فذلك ليس بتسويغ، و سنتكلّم عليه.
و ما نعرف أيضا أحدا منهم أرشد في الفتيا إلى من يخالفه فيما يخالفه فيه، و لا يقدرون على أن يعيّنوا واحدا فعل ذلك، و إنّما كانوا يحيلون بالفتيا في الجملة على أهل العلم، و العاملين بالحقّ، و التّفصيل غير معلوم من الجملة.
فامّا إلزامهم لنا: أن ينقض بعضهم على بعض حكمه، و الواحد على نفسه فيما حكم به و رجع«»عنه.
فغير واجب، لأنّ إقرار الحكم و ورود العبادة بالإمساك عن نقضه لا يوجب كونه صوابا، أ لا ترى أنّا قد نقرّ أهل الذّمّة على ابتياعاتهم الفاسدة، و مناكحتهم الباطلة إذا أدّوا الجزية، و نقتصر في إنكاره على إظهار الخلاف، مع أنّا لا نرى شيئا من ذلك صوابا، فليس مجيء العبادة بإقرار حكم من الأحكام مع النّهي عنه ممّا يفسد أو يستحيل، و سبيل ذلك سبيل ابتداء العبادة به فكما يجوز ورودها بهذا الحكم ابتداء جاز ورودها بإقراره بعد وقوعه، و إن كان خطأ.
على أنّه قد ورد أنّ شريحا قضى في ابني عمّ أحدهما أخ لأمّه بمذهب ابن مسعود فنقض أمير المؤمنين عليه السّلام حكمه فقال: «في أيّ كتاب وجدت ذلك، أو في أيّ سنّة»، و هذا يبطل دعوى من ادّعى أنّ أحدا منهم لم ينقض حكم من خالفه