العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٠٢
فذهب أكثر من تكلّم في أصول الفقه من المعتزلة و غيرهم - و هو مذهب أبي عليّ و أبي هاشم - إلى أنّ النّسخ في الأخبار لا يجوز، و علّلوا ذلك بأن قالوا: تجويز ذلك في أخبار اللَّه تعالى يوجب أن يكون أحد الخبرين كذبا، و فصّلوا بينه و بين الأمر و النّهي«».
و ذهب أبو عبد اللَّه البصري، و صاحب «العمد» [١]، و هو الّذي اختاره سيّدنا
نسخ التّلاوة مطلقا أو نسخ تكليف الأخبار يعدّان من الأحكام الشّرعيّة، فجاز أن يكون مصلحة في وقت فيثبته الشّارع و مفسدة في وقت آخر فينسخه، و هذا ممّا لا خلاف فيه و قد اتّفق الجميع على إمكان ثبوته و نسخه، إنّما الخلاف في أنّه هل يجوز أن ينسخ تكلّفنا بالأخبار عمّا لا يتغيّر بتكليفنا بالإخبار بنقيضه أم لا؟ قالت المعتزلة: أنّه لا يجوز ذلك لأنّه كذب، و التّكليف بالكذب قبيح على الشّارع بناء على أصل التّحسين و التّقبيح العقليين. و إنّه يلزم على اللَّه تعالى رعاية المصلحة في أوامره و نواهيه.
أمّا الثّاني: إنّ مدلول الخبر و ثمرته امّا أن يكون ممّا لا يتغيّر و يعدّ من الثوابت الضروريّة، كمدلول الخبر بوجود الإله و حدوث العالم و بعثة الأنبياء، أو ممّا يتغيّر و ليس له ثبوت بالضّرورة. أمّا الأوّل فنسخه محال بالإجماع، و أمّا الثّاني فقد اختلف الأصوليون و المتكلّمون في حكمه على أقوال:
١ - المنع من النّسخ: قالوا: إنّ الأخبار عمّا يتغيّر مدلوله و ثمرته سواء كان ماضيا كالإخبار عن إيمان زيد و كفره، أو مستقبلا، و سواء كان وعدا أو وعيدا أو حكما شرعيّا فإنّه يمتنع دفعه، و هو مذهب القاضي أبي بكر الباقلاّني، و الجبّائيّان و أبي إسحاق الشّيرازي، و ابن حزم الأندلسي.
٢ - الجواز: و هو مذهب القاضي عبد الجبّار، و أبي عبد اللَّه البصري، و أبي الحسين البصري، و البيضاوي.
٣ - التفصيل بين الخبر الماضي و المستقبل: فمنع في الماضي و جوّز في المستقبل، و هو مذهب أبي بكر الدّقاق، و محمود بن عبد الرحمن الأصفهانيّ.
انظر: «الذريعة ١: ٤٢٧ - ٤٢٦، الأحكام للآمدي ٣: ١٣٠، اللّمع: ٥٧، شرح اللّمع ١: ٤٨٩، شرح المنهاج ١: ٤٧٥، المعتمد ١: ٣٨٧، الأحكام لابن حزم ٤: ٤٧٤، ميزان الأصول ٢: ٩٩٣ أصول السرخسي ٢: ٥٩».
>[١] هو القاضي عبد الجبّار بن أحمد الهمداني الأسدآبادي المعتزلي، و كتابه (العمد) أحد الكتب الأربعة الّتي قام عليها علم أصول الفقه عند أهل السّنة، قال ابن خلدون (ص ٤٥٥): «و كان من أحسن ما ألّف في علم أصول الفقه كتاب (البرهان) لإمام الحرمين الجويني، و (المستصفى) للغزالي، و هما من الأشعريّة، و كتاب (العمد) لعبد الجبّار، و شرحه (المعتمد) لأبي الحسين البصري و هما من المعتزلة، و كانت هذه الكتب الأربعة قواعد هذا الفن و أركانه)» و قد أخطأ ابن خلدون حين جعل المعتمد شرحا للعمد، و لم يصلنا كتاب