العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٨٧
و قد يقال: إنّ الحكم الثّاني ينسخ الحكم الأوّل، و هو ناسخ له، من حيث علم سقوط الأوّل به، كقولهم: «نسخ التّوجّه إلى الكعبة الاستقبال إلى بيت المقدس».
و مثل ما روي أنّ الزّكاة نسخت كلّ واجب في المال، و نسخ شهر رمضان صوم عاشوراء.
و قد يتّسع أيضا فيقال: «إنّ فلانا ينسخ كذا و كذا»، إذا اعتقد ذلك و ذهب إليه، كما يقال الشّافعي لا ينسخ القرآن بالسّنة [١]، و الحنفيّ ينسخ ذلك [٢].
و أمّا لفظ المنسوخ: فإنّه يستعمل في الدّليل و الحكم دون ما عداهما، و الأغلب في استعمال هذه اللّفظة «الدّلالة» و «الحكم» دون ما عداهما، و إن كان لا يستعمل في الحكم إلاّ إذا كان ثبوته يقتضي نفي الحكم الأوّل، أو علم بالدّليل ذلك من حاله.
فهذه الوجوه هي جملة ما يستعمل هذه العبارة فيها، و حقيقتها ما ذكرناه.
فأمّا شرائط النّسخ فأشياء:
منها: أنّ الدّليل الموصوف بأنّه «ناسخ» و بأنّه «منسوخ» جميعا يكونان شرعيّين.
و إنّما قلنا ذلك: لأنّه إذا كانت الإباحة معلومة بالعقل، ثمّ ورد الشّرع بحظره لا يسمّى ذلك نسخا، أ لا ترى أنّه لا يقال: «حظر الخمر نسخ إباحته» لما كانت إباحته معلومة عقلا، و كذلك لا يقال: «إنّ الجنون، و الموت و العجز نسخ واحد منها ما كان واجبا عليه» لما كان زوال ذلك عن المكلّف معلوما عقلا.
و هذا الّذي ذكرناه إنّما يمنع من إطلاق عبارة النّسخ عليه، فأمّا معنى النّسخ
[١] و إليه ذهب أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، انظر: «الأحكام للآمدي ٣: ١٣٨، المنخول: ٢٩٢، شرح اللّمع ١: ٥٠١، التبصرة: ٢٦٤».
[٢] نسخ الكتاب بالسّنة المتواترة جائز عند جمهور المتكلّمين من الأشاعرة، و المعتزلة، و الظّاهريّة، و هو مختار مالك، و أصحاب أبي حنيفة، و ابن سريج و آخرون. انظر: «الأحكام للآمدي ٣: ١٣٨، المنخول: ٢٩٢، شرح اللّمع ١: ٥٠١، الأحكام لابن حزم ٤: ٥٠٥، التبصرة: ٢٦٤».