العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٥٦
و من أثبت القياس يقول في جواب ذلك: إن كان الفرع مشبها لأصل محرّم و أصل محلّل عند اثنين، لزم كلّ واحد منهما ما أدّاه اجتهاده إليه، فيلزم التّحريم من أشبه عنده الأصل المحرّم، و التّحليل من أشبه عنده الأصل المحلّل، و لا تضادّ في ذلك و إن«»أشبه الأصلين المختلفين عند واحد، فهو عند كثير منهم يكون مخيّرا بين الأمرين، فأيّهما اختار لزمه، كما يقال في الكفّارات الثّلاث، و لا تضادّ في ذلك.
و عند قوم منهم: أنّه لا بدّ في هذا الموضع من ترجيح يقتضي حمل الفرع على أحدهما دون صاحبه.
فأمّا من أبطل القياس من حيث لا طريق إلى غلبة الظّن في الشّريعة - و هي الطّريقة الّتي حكيناها عن شيخنا رحمه اللَّه - فوجه اعتماده عليها أن نقول: من قد علمنا أنّ القياس لا بدّ فيه من حمل فرع على أصل بعلّة أو شبه، و العلّة الّتي يتعلّق الحكم بها في الأصل لا يصحّ من أن يكون طريق إثبات كونها علّة العلم أو الظّن، و العلم لا مدخل له في هذا الباب.
و جميع من أثبت القياس في الشّرع - إلاّ الشّذاذ منهم - يجعلون العلّة المستخرجة المستدلّ عليها تابعة للظّن، و إنّما يجعلها معلومة من طريق الاستخراج من حيث اعتقد أنّ العلل الشرعيّة أدلّة توصل إلى العلم كالعقليّات، و قول هؤلاء واضح البطلان لا معنى للتّشاغل به.
و لأنّا إذا بيّنّا أنّ الظّنّ لا يصحّ حصوله في علل الشّرع، فالأولى أن لا يحصل العلم، و إن كان العلّة تثبت علّة بالظّن، فنحن نعلم أنّ الظّن لا بدّ له من أمارة و طريق، و إلاّ كان مبتدأ لا حكم له.
و ليس في الشّرع أمارة على أنّ التّحريم في الأصل المحرّم إنّما كان لبعض صفاته، فكيف يصحّ أن يظنّ ذلك؟ و ليس هذا ما لا يزالون يمثّلون به من ظنّ الرّبح، و الخسران، أو التّجارة، أو الهلاك، و أنّ القبلة في جهة مخصوصة، و غلبة الظّن في قيم