العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٥١
أن يكون حسنا في كلّ خطاب.
فإن قيل: لو جاز أن يخاطب بالمجمل و لا يبيّن المراد في الحال، لجاز من العربيّ أن يخاطب غيره بالزّنجية و إن لم يفهم منه شيئا أصلا«».
فإن قلتم: المخاطب بالزّنجيّة لا يفهم منه شيئا أصلا، و المجمل يستفاد منه أمر ما و هو أنّه مأمور، ألا ترى أنّه إذا قال تعالى: خذ من أموالهم صدقة«»، و أقيموا الصلاة«»، و غير ذلك، فالمخاطب يستفيد أنّه مأمور بأخذ صدقة من ماله و إن جهل مبلغه و وقف ذلك على البيان، و هو مكلّف بالعزيمة على ذلك و الانطواء عليه حتّى يبيّن له، و كذلك في الصّلاة يعلم أنّه مكلّف بفعل هو صلاة و عبادة، إلاّ أنّه لا يعرف كيفيّة هذه العبادة، فهو منتظر بيانها، و الخطاب بالزّنجيّة بخلاف هذا كلّه.
قيل لكم: يمكن أنّه جميع ما أخرجتموه في المجمل أن يكون في الزّنجيّة، لأنّ الحكيم إذا خاطب بالزّنجيّة للعربيّ فلا بدّ أن يقطع المخاطب على أنّه قد قصد بخطابه - و إن كان بالزّنجيّة - إلى أمره أو نهيه أو إخباره، و يجب عليه أن يعزم على فعل ما يبيّن له أنّه أمره، به و الكفّ عمّا لعلّه يبيّن له أنّه نهاه عنه، و يوطّن نفسه على ذلك و تتعلّق مصلحته به، فأيّ فرق بين الأمرين؟ فإن فرّقتم بين الأمرين بأن الفائدة بالزّنجيّة أقل أو أشدّ إجمالا، جاز أن يقال لا اعتبار في حسن الخطاب بكثرة الفائدة، لأنّه يحسن من الخطاب ما يخرجه من كونه عبثا، و قليل الفائدة ككثيرها.
و الجواب عن ذلك: أنّ من المعلوم قبح خطاب العربي بالزّنجيّة كما ذكرتم، كما أنّ من المعلوم الّذي لا يختلف العقلاء فيه حسن الخطاب بالمجمل في الموضع الّذي ذكرناه، و إذا ثبت حسن ما ذكرنا و قبح ما ذكروه، احتجنا أن ننظر في ذلك و نعلّل