العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧١٢
فأمّا ادّعاؤهم ثبوت عملهم بالقياس، و أنّه يجب أن يكون لهذا الخبر لأنّه لا نصّ غيره، فبناء على ما لم يثبت و لا يثبت، و قد بيّنا بطلان ما ظنّوه دليلا على إجماعهم على ذلك.
و لو سلّم لهم على ما فيه، لجاز أن يكونوا أجمعوا لبعض ما في الكتاب أو لخبر آخر، على أنّهم قد اعتمدوا في تصحيح الخبر على ما إذا صحّ لم يحتج إلى الخبر، و لم يكن دليلا على المسألة، لأنّا إذا علمنا إجماعهم على القياس و الاجتهاد، فأيّ فقر بنا إلى تأمّل خبر معاذ؟ و كيف يستدلّ به على ما قد علمناه لغيره؟ فان قالوا: نعلم بإجماعهم صحّة الخبر و يصير الخبر دليلا، كما أنّ إجماعهم دليل، و يكون المستدلّ مخيّرا في الاستدلال بأيّهما شاء.
قلنا: لسنا نعلم بإجماعهم صحّة الخبر إلاّ بعد أن نعلم أنّهم أجمعوا على القياس و الاجتهاد، و علمنا بذلك يخرج«»الخبر من أن يكون دلالة و إنّما كان يمكن ما ذكروه لو جاز أن يعلم إجماعهم على صحّة الخبر من غير أن يعلم إجماعهم على القول بالقياس، و ذلك لا يصحّ.
على أنّا إذا تجاوزنا ذلك و لم نعرض للكلام في أصل الخبر و وروده، لم يكن فيه دلالة، لأنّه قال: «أجتهد رأيي» و لم يقل في ما ذا؟ و لا ينكر أن يكون معناه أجتهد رأيي حتّى أجد حكم اللَّه تعالى في الحادثة من الكتاب و السنة إذا كان في أحكام اللَّه فيهما ما لا يتوصّل إليه إلاّ بالاجتهاد و لا يوجد في ظواهر النّصوص، فادّعاؤهم أنّ إلحاق الفرع بالأصل في الحكم لعلّة يستخرجها القياس هو الاجتهاد زيادة في الخبر بما لا دليل عليه و لا سبيل إلى تصحيحه.
فإن قالوا: ما يوجد في دليل النّص من كتاب أو سنّة فهو موجود فيهما، و قوله:
«فإن لم يجد» يجب أن يحمل على عمومه، و على أنّه لم يجد على كلّ حال، و إذا حمل على ذلك، فليس وراءه إلاّ الرّجوع إلى القياس الّذي تقوله.