العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٠٤
في الأمثلة الّتي ذكروها، و ليس«»مسألة الإجماع من هذا الباب، لأنّه يجوز أن تدخل عليهم الشّبهة فيعتقدوا فيما ليس بدليل أنّه دليل فيجمعوا عليه، و قد دخلت الشّبهة في مثل أمّتنا - و أكثر منهم - فيما يتعلّق بباب الدّيانات، أ لا ترى أنّ اليهود و النّصارى و من خالف الإسلام قد اتّفقوا على إبطال الإسلام، و تكذيب نبيّنا عليه السّلام و هم أكثر من المسلمين أضعافا مضاعفة، و ليس إجماعهم على ذلك دليلا على بطلان الإسلام، لأنّهم إنّما أجمعوا لدخول الشّبهة عليهم، و أنّهم لم يمنعوا النّظر في الطّريق الموجبة«»للقول بصحّة الإسلام.
فكذلك القول في إجماع الأمّة، على أنّ ذلك إذا دلّ الدّليل على كونه حجّة و ثبت ذلك، فأمّا قبل ثبوته فنحن في سبر«»ذلك، فالمنع منه غير صحيح.
فإن قالوا: لو جاز عليهم الخطأ فيما يجمعون عليه، لجاز على المتواترين الخطأ فيما يخبرون به، لأنّ الأمّة بأجمعها أكثر من قوم متواترين ينقطع بنقلهم الحجّة، و لو جاز ذلك على«»المتواترين أدّى ذلك إلى أن لا نثق بشيء من الأخبار، و لا نعلم شيئا نقلوه، و ذلك يؤدّي إلى ما يعلم ضرورة خلافه.
قيل: التّواتر لم يكن حجّة من حيث أنّه لا يجوز فيهم الخطأ، و إنّما كان حجّة لأنّهم نقلوا نقلا يوجب العلم الضّروري عند من قال بذلك، أو علما لا يتخالج فيه الشكوك عند من قال بالاكتساب، فالحجّة في نقلهم بحصول العلم بما نقلوه لا بمجرّد النّقل، و كان يجوز أن لا ينقلوا ما نقلوه إمّا خطأ أو عمدا، فيخرج خبرهم من أن يكون موجبا للعلم، فيلحق حينئذ بباب الإجماع الّذي نحن في اعتبار كونه حجّة أم لا، و هذا بيّن لا إشكال فيه، و لم يعتمد هذه الطّريقة إلاّ شذّاذ من القائلين بالإجماع، و المحصّلون منهم عوّلوا على أدلّة السّمع في هذا الباب.