العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٤٤
قيل له: أمّا التّنفّس في الهواء، فالإنسان ملجأ إليه مضطرّ، و ما يكون ذلك حكمه فهو خارج عن حدّ التّكليف، فان فرضتموه فيما زاد على قدر الحاجة فلا نسلّم ذلك، بل ربّما كان قبيحا على جهة القطع، لأنّه عبث لا فائدة فيه و لا نفع في ذلك يعقل.
و أمّا أحوال النّظر فمستثناة أيضا، لأنّه في تلك الأحوال ليس بمكلّف أن يعلم حسن هذه الأشياء و لا قبحها، لأنّه لا طريق له إلى ذلك، و إنّما يمكنه ذلك إذا عرف اللَّه تعالى بجميع صفاته، و أنّه ينبغي أن يعلمنا مصالحنا و مفاسدنا، و إذا علم جميع ذلك حينئذ تعلّق فرضه بأن يعلم هذه الأشياء هل هي على الحظر أو على الإباحة؟ و في هذه الأحوال لا يجوز له أن يقدم إلاّ على قدر ما يمسك رمقه و يقوم به حياته.
و منحابنا من قال: إنّ في هذه الأحوال لا بدّ من أن يعلمه اللَّه تعالى ذلك بسمع يبعثه إليه فيعلمه أنّ ذلك مفسدة يتجنّبه، أو مصلحة يجب عليه فعله، أو مباح يجوز له تناوله.
و على ما قرّرته من الدّليل لا يجب ذلك، لأنّه إذا فرضنا تعلّق المصلحة و المفسدة بحال المكلّف لم يمتنع أن يدوم ذلك زمانا كثيرا، و يكون فرضه فيه كلّه الوقف و الشكّ و الاقتصار على قدر ما يمسك رمقه و حياته.
و هذا الدّليل الّذي ذكرناه هو المعتمد في هذا الباب.
و الّذي يلي ذلك في القوّة أن يقال: إذا فقدنا الدّلالة على حظر هذه الأشياء و على إباحتها، وجب التّوقّف فيها و تجويز كلّ واحد من الأمرين، و ليس يلزمنا أكثر من أن نبيّن أنّ ما تعلّق به كلّ واحد من الفريقين ليس بدليل في هذا الباب.
فما استدلّ به من قال إنّ الأشياء على الحظر قطعا أن قالوا: قد علمنا أنّ هذه الأشياء لها مالك، و لا يجوز لنا أن نتصرّف في ملك الغير إلاّ بإذنه، كما علمنا قبح التّصرّف فيما لا نملكه في الشّاهد.
و اعترض القائلون بالإباحة هذه الطّريقة بأن قالوا: إنّما قبح في الشّاهد التّصرف