العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٧٤٣
الإعلام، و تكون المصلحة لنا في التّوقّف في ذلك و الشّك، و تجويز كلّ واحد من الأمرين، و إذا لم يمتنع أن تتعلّق المصلحة بشكّنا و المفسدة بإعلامنا جهة الفعل، لم يلزم إعلامنا على كلّ حال، و صار ذلك موقوفا على تعلّق المصلحة بالإعلام أو المفسدة بالشّك، فحينئذ يجب الاعلام، و ذلك موقوف على السّمع.
و ليس لأحد أن يقول: إنّ هذا الّذي فرضتموه يكاد يعلم ضرورة تعذّره، لأنّ الفعل لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون كذلك:
فان كان قبيحا، فلا يكون كذلك إلاّ للمفسدة. و إن لم يكن قبيحا، فذلك الحسن.
و هذه قسمة متردّدة بين النّفي و الإثبات، فكيف اخترتم أنتم قسما ثالثا لا يكاد يعقل؟، و ذلك أنّ الفعل كما قالوا لا يخلو من أن يكون قبيحا أو لا يكون كذلك، و لكن لا يمتنع أن يكون للمكلّف حالة أخ رى تتعلّق بها المفسدة و المصلحة، و هي الحالة الّتي يقطع فيها على جهة الفعل على التّفصيل، و إذا كان ذلك جائزا لم ينفعنا تردّد الفعل في نفسه بين القبح و الحسن، و احتجنا أن نراعي حال المكلّف، فمتى وجدنا المصلحة تعلّقت بإعلامه جهة الفعل وجب ذلك فيه، و متى تعلّقت المفسدة بذلك وجب أن لا يعلم ذلك، و كان فرضه الوقف و الشّك، و هو الّذي لحظناه، ينبغي أن يتأمّل جيدا فانّه يسقط معتمد القوم في أدلّتهم.
و ربّما لم يتصوّر كثير من الّذين يتكلمون في هذا الباب ما بينّاه، و متى تأمّله من يضبط الأصول وقف على وجه الصّواب في ذلك.
فإن قيل: كيف يمكنكم أن تدفعوا حسن هذه الأشياء و نحن نعلم ضرورة حسن التّنفّس في الهواء، و تناول ما تقوم به الحياة طول مدّة النّظر في حدوث العالم، و إثبات الصّانع، و بيان صفاته؟، و على ما قلتموه ينبغي أن يمتنع في هذه الأوقات من الغذاء و غير ذلك، و ذلك يؤدّي إلى تلفه و عطبه«»، و من ارتكب ذلك علم بطلان قوله ضرورة.