العدة في أصول الفقه - الشيخ الطوسي - الصفحة ٦٥٧
المتلفات، و أرش الجنايات الّتي يستند الظّن فيها إلى عادات، و تجارب، و أمارات معلومة متقرّرة، و لهذا نجد من لم يتّجر قطّ و لم يخبره مخبر عن أحوال التّجارة لا يصحّ أن يظنّ فيها ربحا و لا خسرانا، و كذلك من لم يسافر و لم يخبر عن الطّريق لا يظنّ نجاة و لا عطبا، و من لم يعرف العادة في القيم و يمارسها لا يظنّ أيضا فيها شيئا.
و جميع ما يغلب فيه الظنون متى تأمّلته وجدته مستندا إلى ما ذكرناه ممّا لا يصحّ دخوله في الشّرعيّات على وجه و لا سبب.
و لقوّة ما أوردناه، ما قال قوم من أهل القياس: إنّ العلل الشّرعيّة لا تكون إلاّ منصوصا عليها إمّا صريحا أو تنبيها [١]، و نزّل الباقون رتبة فقالوا: لا تثبت إلاّ بأدلة شرعيّة.
و الّذي يمكن أن يعترض به على هذه الطّريقة أن يقال: من اعتمد هذه الطّريقة على هذا التّلخيص لا بدّ من أن يكون مجوّزا للعبادة به و معرفة الأحكام من جهته لو حصل الظّنّ الّذي منع من حصوله، و لا بدّ من أن يقول: إنّ اللَّه تعالى لو نصّ على العلّة، أو أمر الرّسول صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم بالنّصّ عليها، و تعبّد بالقياس لوجب حمل الفروع على الأصول.
بل الذّاهب إلى هذه الطّريقة ربّما«»يقول: لو نصّ اللَّه تعالى على العلّة في تحريمه مثلا للخمر و ذكر أنّها الشّدّة، لوجب حمل ما فيه هذه العلّة عليها و إن لم يتعبّد بالقياس، لأنّه يجري مجرى أن ينصّ على تحريم كلّ شديد.
و إن كان هذا غير صحيح، لأنّ العلل الشّرعيّة إنّما تنبئ عن الدّواعي إلى
[١] هذا الشّرط ذكره بعض الشّافعيّة و بعض الحنفيّة، و هو مذهب المالكيّة، و علّلوا لهذا الشّرط بأنّ المقصود من الوصف المعلّل به إثبات الحكم في الفرع، و متى كان خفيّا في الأصل فإنّه لا يمكن إثبات الحكم به في الفرع.
انظر: المصادر الّتي ورد ذكرها في كتاب (مباحث العلّة: ٢٠٣) و هي: «البحر المحيط ٣: ١٨٠، تيسير التّحرير ٣: ٣٠٢، مفتاح الوصول: ١٧١، جامع الجوامع ٢: ٢٣٤ نشر البنود ٢: ١٣٢».